الأحد، 4 يناير 2009

6 . على اسم مصر .. مقدمه


تش .. تش .. تش .. تش .. تش


ـ صباح الخير يا عم " بيبس "


ـ صباح الفل يا محمود باشا .. أؤمر


ـ الأمر لله يا راجل ..
بص .. جهز لي ب 50 فول وبجنيه فلافل فيهم إتنين محشيين ..
حجيب العيش وأرجعلك




من أجمل ما يميز حي محرم بك وهو أحد الأحياء العريقة في مدينة الإسكندرية

هو ذلك المزيج العجيب بين أصالة الماضي وشعبية ساكنيه ..

فهو مكان شعبي بسيط يحمل عبق التاريخ وأصالته ..

إدينى 100 ألف جنيه .. وفيلا في محرم بيه ..

هكذا كان يقول ساكني الإسكندرية في الماضي ..

حيث كان حي محرم بك هو مجموعة من الفيلات المتجاورة يسكنها الباشوات ،

وأصحاب الأعيان، وكانت تمثل لأهل الإسكندرية القديمة في أحياء "بحري"،

و" كوم الدكة" ، و"المنشية"، حلم صعب المنال ..

وتحولت بقدرة قادر كل تلك الفيلات العريقة

إما لمكان تتم فيه تحيه علم مصر مع صباح كل يوم جديد ..

حيث أبله حكمت مديرة المدرسة ..

وتلاميذ بؤساء ..

وحوش في حجم العلبة ..

أو تحولت إلى مكان يتم فيه تعذيب المواطنين الأبرياء

نظراً لأنه أصبح إحدى الهيئات الحكومية ..

ما علينا ...




ـ جهزت الفول والفلافل يا عم " بيبس " ؟؟



ـ كله في التمام يا حودة باشا .. سلملي على جدتك ..





ظل ساكنو حي "محرم بك" بالإسكندرية وهم من أبناء الطبقة المتوسطة

أو فلنقل الكادحة، محافظين على تراث الحي العريق ..

فما إن تطأ قدماك المكان إلا وتشعر وكأنك تعرف هؤلاء الناس ..

"عم بيبس" بائع الفول والفلافل ..

"حمدي" صاحب كشك الصحف والمجلات ..

الفرن البلدي وصاحبه "الحاج سيد"

كلهم أناس بسطاء ..

ولكن يشغل كل شخص منهم مكانةً في قلبك قد تضاهي مكانة أقربائك ...

فقد كانت نشأتي الأولى في بيت جدتي بهذا الحي القديم ..

ورغم إبتعادى عنه نظرا لأننا لسنا من ساكنيه ..

إلا أنه حتى الآن لديّ شعور داخلي بأنني لازلت أعيش هناك

وأنتمي لهذا الحي العريق ..

وما إن يسألني أي إنسان ذلك السؤال التقليدي ..

أنت منين في إسكندرية ؟؟

حتى تخرج الإجابة بعفوية ..

وبدون أدنى تردد ..

أنا من محرم بيه ..

وكنت ولازلت ..

أبحث بكل اجتهاد عن هذا السر الخفيّ

في طبيعة تكوين هذا الشعب الكادح وشخصيته المترابطة

رغم تعدد مصادرها وغرابة ثقافتها ..

والتي هضمت آلاف الثقافات الأخرى ليخرج هذا المزيج العجيب

متمثلا في اللهجة المصرية المميزة ..

كتب جمال حمدان موسوعته الشهيرة .. شخصية مصر

ولم أنل حظا من قراءة سوى تلخيص المختصر منها

والذي نشر مسلسلا في جريدة الأهرام منذ سنوات ..

ولكن بقي السؤال الحائر ..

ما هو السر ؟؟

أين السر الخفي في هذا الحب الجارف من قبل المصريين لوطنهم ؟؟

نعم ..

النفوس والسلوكيات تغيرت كثيرا ..

وها هي المادية قد طغت على كل مفردات الحياة ..

وأصبحت الحياة في زحام القاهرة كصراع أسماك البحر الجائعة ..

ولكن ..

رغم كل شيء وأي شيء ..

نحن عاشقون لمصر ..

ولتراب مصر ..

وسوف نظل ..

نعيش ونلعن في هذا الذل وهذه البلد ..

ولكننا لا نقبل المساس بها أو بكرامتها ..

إذن أين السر ؟؟؟!!!

من هم المصريين في الأساس ؟؟

فراعنة .. رومان .. عرب .. مماليك .. أتراك .. مغاربة ..

من هم المصريون في هذا "الكوكتيل" العجيب ؟؟!!!

والإجابة تجدها بكل بساطه واضحة جليه عبر التاريخ ..

المصريون هم من عاشوا في مصر وارتبطوا بها ..

المصريون شعب بلا أصول ..

ولكنهم شعب يهيم عشقا بوطنه ..

والأسباب ؟؟؟

للأسف الأسباب مجهولة ..

إنه سر مطلسم حتى الآن ..


مكان بتعيش فيه ولو لشهور قليلة ..

فتحبه ..

وماتقدرش تسيبه ..


ومش بتعرف حقيقة مشاعرك تجاهها إلا لما تسافر ..

ويسألك الناس في الغربة ..



ـ أنت منين ؟؟


ـ أنا من مصر ..


ـ طيب ممكن تحكيلنا عن مصر ؟؟؟



فتلاقي لسانك يتعقد ..

ويتوه منك الكلام ..

وعنيك تدمع ..

وجلدك يقشعر ..



ـ يااااااه .. مصر !!!!!!!!

عايزني أحكيلكم عن مصر !!!!!

معرفش ...

معرفش أعبر بالكلام ..

مصر دي حاجة معرفش أحكي عنها ..

مصر عبارة عن إحساس جوايا مقدرش أقوله ولا أكتبه ..

بس ححاول النهارده أكتب حاجة وأحكيها لكم المرة القادمة ..




وهنا تعود إلى بيتك لتأخذ الورقة والقلم ..

وتتذكر حي محرم بك ..

عم "بيبس" بائع الفلافل ..

والحاج "سيد" الراجل الطيب صاحب الفرن ..

وتكتب عنوان مذكراتك ..

على اسم مصر ..



تتذكر كلمات عمنا المبدع "صلاح جاهين" ..

على اسم مصر ..

على اسم مصر التاريخ يقدر يقول ما شاء

أنا مصر عندي أحب وأجمل الأشياء

بحبها وهي مالكه الأرض شرق وغرب

وبحبها وهي مرميه جريحة حرب

بحبها بعنف وبرقة وعلى استحياء

واكرها وألعن أبوها بعشق زي الداء

واسيبها وأطفش في درب وتبقى هي ف درب

وتلتفت تلتقيني جنبها فى الكرب

والنبض ينفض عروقي بآلف نغمة وضرب

على اسم مصر

مصر النسيم في الليالي وبياعين الفل

ومراية بهتانة ع القهوة .. أزورها واطل

مصر السما الفزدقي وعصافير معدية

والقلة مملية ع الشباك مندية

والجد قاعد مربع يقرا في الجرنال

الكاتب المصري ذاته مندمج في مقال

ومصر قدامه اكتر كلمة مقرية

قريتها من قبل ما اكتب اسمي بإيديا

على اسم مصر **












** من قصيدة " على اسم مصر " للشاعر " صلاح جاهين"



..................................................................



وصل قطارى إلى مدينتي الجاثمة في شمال شرق ألمانيا في تمام الثامنة

مساءً ، وهو ما كان يعني أنني بعد اثنتي عشرة ساعة

سوف أجلس داخل قاعة الامتحان ..

ولم يكن أمامي سوى خيارين اثنين ..

فإما أن أكون من بين المقبولين بالجامعة هذا الفصل الدراسي ..

وإما أن أعود لمصر أسفا وبلا عودة ..

دخلت حجرة الاستعلامات في محطة القطار وشرحت لهم موقفي ..

فقام موظف الاستعلامات على الفور بالاتصال بالفندق وحجز لي غرفة

بل وشرح لي تفصيليا كيفية الذهاب من الفندق إلى الجامعة

وأعطاني خريطة دقيقة للمدينة ..

هذا إلى جانب مجموعة من أرقام التليفونات الهامة

والتي ربما أحتاجها في المستقبل عند الضرورة ..

ذهبت إلى الفندق، وكان أهم ما يشغل تفكيري هو الاتصال بأهلي ..

فقد كنت على يقين بأنهم ظلوا مستيقظين منذ لحظة رحيلي ..

شعور غريب بالوحدة الكاملة ..

تشعره فقط في أول لحظات الغربة ..

ووجدت داخل شنطة سفري قراقيش أمي الحبيبة ..

حاولت جاهداً النوم فلم أستطع ..

حتى بدأ شعاع شمس اليوم التالي في البزوغ

حيث امتحان تحديد مصيري ومستقبلي في ألمانيا ..

كل ما أذكره أنني وجدت اسمي في قائمة الممتحنين والمعلقة داخل

مبنى الجامعة حيث ضمت القائمة 450 طالبا من شتى بقاع الأرض

ستقبل الجامعة منهم عشرون طالباً فقط ..

كان الامتحان مكون من خمسة أجزاء ..

مده كل جزء نصف الساعة تقريبا يتخللهم فترة راحة مدتها خمس دقائق ..

كل ما أذكره هو هذا الجزء الأخير من الامتحان ..

كان سؤالا مفتوحا ..

أكتب موضوعاً من صفحتين على الأقل عن بلدك الأم ..

لم أفهم السؤال ..

بلدي الأم !!!!!!

هل سأكتب عن مصر ؟؟؟

طب أكتب إيه عن مصر ؟؟؟؟؟!!!!!!!

وناديت المراقبة

وهي التي أصبحت فيما بعد مدرسة مادة اللغة الألمانية خلال هذا العام الدراسي ..



ـ قصدكم إيه بالسؤال ده ؟؟؟


ـ أكتب عن بلدك الأم .. أنت منين ؟؟؟؟


ـ أنا مصري ..


ـ خلاص .. أكتب عن مصر ..


وابتسمت لي ابتسامة تشجيعية وذهبت ..

جلست أواجه ورقة الإجابة ..

أكتب إيه عن مصر ؟؟؟؟!!

إنها المرة الأولى في حياتي والتي أواجه فيها سؤالا كهذا ..

وقررت أن أكتب من وحي ما أشعر به فى تلك اللحظة ..

وليس كلاما مسرودا من ذاكرة التاريخ ..

قررت أن أكتب عن مشاعري تجاه مصر ...

ولا أذكر تحديدا كم من الصفحات كتبت ..

أعتقد كانت صفحة ونصف الصفحة ..

سلمت بعدها ورقة الإجابة بعد أن أيقنت أنني راسب لا محالة ..

فلم يكن لديّ أدنى اقتناع بما أديته في الامتحان ..

ومكثت داخل غرفتي بالفندق أفكر في مستقبلي والذي أصبح في مهب الريح . .

وجاء يوم الأربعاء 24 من أغسطس وهو يوم النتيجة ..

فقررت عدم الذهاب للجامعة، وأن أتصل بهم تليفونيا منعا للإحراج ..

وكانت معلمة اللغة الألمانية ، والتي راقبت عليّ في لجنة الامتحان، هي

المسؤولة عن إبلاغ الطلبة بالنتائج حين الاتصال بها تليفونيا ..



ـ صباح الخير يا أفندم ..
أنا هير نجم وعارف إني أكيد راسب ..
بس عايز أعرف رسبت بكام درجة ..



ـ هير نجم ممكن تجيلي هنا حالا ..



ـ ليه حضرتك ؟؟


ـ حقولك لما تيجي .. أنا في انتظارك.



وكانت أضخم مفاجأة حدثت لي في حياتي ..

حتى الآن لازلت أذكر أدق التفاصيل ..

ولكن الاهم ..

هو ما تعلمته من تلك التجربة ..

وأكدته لى الشواهد والاحداث فيما بعد ..

ومع كل من رأيتهم فى تلك الغربة ..

فبدون إجابة واضحة لهذا السؤال البديهى ..


من هى مصر ؟؟؟

وماذا تعرف عن مصر ؟؟


سوف يكون الفشل حليفك فى الغربة لا محاله ..

والرسوب فى الامتحان هو النتيجة الطبيعية ..

الغربة لها هدف ما ..

من أجل رساله ما ..

وبدون إجابة هذا السؤال ..

إعلم أنك غير مؤهل بعد لتلك الغربة ..

ولهذا ..

بدآت أولى كلماتى فى مذكراتى

على اسم مصر
..



هناك 5 تعليقات:

غير معرف يقول...

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه أول مشاركة لى ولكنى مطلع على موضوع منذ فترة ..

ولا ادرى السبب فى عدم مشاركتى

ربما كنت اخشى فى كل مرة ان تنتقل المرارة من الغربه من قلبى إلى يدى إلى قلمى لذلك فضلت أن أكون قارئاً فقط ولكن أحسست بشعور جارف بالحب فى الله إليك يامحمود واحس اننا نعرف بعضنا منذ الطفوله
ربما جمعتنا مرارة الغربه على قلب شخص واحد .. لا ادرى . المهم انى اتمنى ان نكون اصدقاءاً .

الغربه ...

يا لها من كلمة مليئه برائحة الأحزان .. ربما ننجح فى غربتنا احيانا لكن تظل مرارة الفراق عالقه فى نفوسنا ... ربنا انكسرت المعانى الجميله التى اختزنتها ذاكرتنا طوال حياتنا فى مصر على صخرة الواقع الذى نحياه فى غربتنا ...تعلمنا الحب والود والعشرة ومعانى الصداقه والإنتماء وكيف أن الدفء يحيط بنا من كل جانب ؟ لكن الان...........على الرغم من حرارة الجو الشديدة هنا لكن اشعرببروده فى أعماقى .. كيف طاوعتنى نفسى ان افارق من لا حياة لى إلا بدونهم ؟ ...مصر .. ربما انت السبب فى مفارقتى لاحبابى ؟ او ربما هم من يعيشون فى مصر ؟ هل كرهتك يا مصر لهذا السبب ؟؟ لا والله فما نقص حبك لحظة فى حياتى هنا بل على العكس فقد اصبحت استنشق اخبارك واشعر برائحتك فى كل شىء هنا او هكذا اتخيل ؟ ...

اشتقت اليك كثيرا يا حبيبتى .. لا ادرى ماذا سافعل عندما اقابلك ... هلى احضنك ؟؟ لا يكفى ... اقبلك ؟؟ لالا لا يكفى ... ماذا افعل ؟ ......
يكفينى ان اقبل ترابك ............ ربما اجد فيه عزاءاً عما فاتنى فى حبك ............


الباحث عن التوبة

محمد فرغلى

غير معرف يقول...

تعارف

بسم الله الرحمن الرحيم

اخى الفاضل محمود

يسعدنى ويشرفنى ان انضم لمجموعه المشاركين فى الكتابه والتعليق على هذا الموضوع

واحب انى اعرفك ان دى اول مره فى حياتى اشترك بتعليق وعمرى ما كنت اتخيل خالص ان ممكن يثار هنا موضوعات من الى بتمس الناس من قريب اوى كده...

وانا الحقيقه دخلت هنا بالصدفه البحته والحمد لله ان الصدفه جابتنى هنا علشان ربنا رايد لى انى اتعلم واسمع واستفيد

وعاوزه اقولك ان اسلوبك جذاب جدا فى الكتابه وتلقائى بطريقه لم اشهد مثلها من قبل وانت بتوصف شهر رمضان بكلماتك البسيطه
(شهر رمضان....الفوانيس...بائعى الكنافه).
انا حقيقى حاسه انك مصرى صميم من اسره مصريه صميمه .

وانا عن نفسى سعيده انى اعرف ان فى مصريين فى الغربه متمسكين بالله عز وجل بالدرجه دى وحاسين دايما ان ربنا معاهم فى كل خطوه بيخطوها.

وفقك الله وسدد خطاك


قارئة ومتابعة

الدنيا قليل

Mohamed mostafa يقول...

بكلمات بسيطة بتقدر تثير عواطفنا تجاه احداث اللي الواحد بيفتقدها في الغربة خصوصا رمضان واحادىث السمر مع الاصدقاء اما بالنسبة لوجود ربنا ف ده فعلا في الغربة واضح جدا حيث لا يوجد اب تستند اليه وقت الشدة ولا ظهر تحتمى به ومفيش ادامك غير انك تسلم نفسك لربنا اللي سبحانه عمره ما هيخذلك 

عابد يقول...

انا حاسس كلام حضرتك جدا يا دكتور
وحبيت جدا الحس الروحانى بالذات فى كتابتك

انا بدرس الطب فى مصر واسمى عابد
اتمنى اقرا لحضرتك اكتر

شريف زاهر يقول...

تسلم ايدك يا دكتور بجد خلتني ابكي و انت بتتكلم عن الاب و الام و لحظة الفراق
ربنا يرجعنا من غربتنا سالمين غانمين بس احب اوضح لحضرتك ان سبب حبنا الشديد ده لمصر ان احنا شعب عمرنا 7000 سنة يعني اصولنا و تقاليدنا بتجبرنا على الانتماء للوطن مهما بعدنا عنه و مهما الوطن ده عمل فينا او اذانا حتى انا ساعات بيتهيالي ان حبنا لمصر ده بقا من الجينات الوراثية اللي بنتولد بيها ده بالاضافة ان مصر و اهل مصر مذكورين في القران بالخير و الحمد لله و كمان الروح الموجودة في مصر مستحيل تلاقيها في اي مكان تاني في العالم او حتى في الكون الخارجي ههههههههههههههههههههه و دي طبعا وجهة نظري و قابلة للصواب و الخطا