الأحد، 4 يناير، 2009























يباع الكتاب بجميع فروع مكتبات ديوان بالقاهرة والاسكندرية


للتواصل مع الكاتب


http://facebook.com/mahmoudrashad.negm


http://www.facebook.com/woraiqat





تحب تقرا عن الغربة في أوروبا وتحديدا في " ألمانيا " !!!!!؟؟؟؟

طب إيه رأيك تقرا عنها، لكن من قلب شوارع مصر !!!!!!!!!! ؟؟؟

لا برده ، هو مش كده بالضبط !!!!!!

أنت حتقرا عن مصر، بس من قلب شوارع ألمانيا !!!!!!!!!

لا !!!! برده هو لا كده ولا كده !!!!!!!

أنت حتقرا عن مشاكلك أنت وعن وحياتك أنت


لكن من خلال إنسان سافر في الغربة !!!

للاسف، مش بس كده !!!!


لانك حتلاقي نفسك بتقرا من خلال نفس الكلام


عن تاريخ مصر



وعن تحولات المجتمع في مصر



وعن كتير من اللي جرا لمصر

طب بقولك إيه، خلينا نتفق في الاول

أنك حتقرا بالتأكيد عن تجربة خاصة مع الغربة

لكن بجد أنا نفسي مش عارف، وفضل السؤال حائر

ياترى هي وريقات من مذكرات إنسان !!!!!؟؟؟

أم وريقات من خبرات الغربة !!!!!! ؟؟؟

أم وريقات من تاريخ ومن ذاكرة الوطن !!!!!!!؟؟؟؟

وعشان كده عبر عنوان الكتاب عن ده كله .. فأصبح

وريقات من مذكرات مصري مغترب


أسأل الله أن يجعلني لا أنطق إلا بالحق

وألا أكتب إلا ما يوضع في ميزان الحسنات

وفقنا الله جميعا لما يحب ويرضى

...........................................................................

1. من هنا يبدأ الحوار
..............................

تستهويني الكتابة دائما مع بداية كل يوم من أيام الجمعة ..

فيوم الجمعة هو أفضل الأيام عند الله تبارك وتعالى ..

وهو يوم يحمل في نفحاته مشاعر الدفء الأسري ..

حنان الأم المضحية وهي تجهز الإفطار ..

وتقوم بترتب البيت من جراء مذبحة سهرة يوم الخميس ..

حيث تناثرت مخلفات السهرة في كل مكان ..

لب ..

سوداني ..

بعض الاطباق الفارغة من بقايا العشاء ..

وهناك من ترك الكتاب بجانبه منكبا على وجهه وكأنه ساجدا على الأرض ..

حالة مأساوية لبيت مصري تقليدي، ينبض بالمشاعر الرقيقة ..

بل وتقوم تلك البائسة بتجهيز طعام الأسبوع كله ..

فهي المرأة العاملة المظلومة و المطحونة بلا رحمة ..

وهي أيضا المكتوب عليها دائما وأبدا، بألا يشعر الرجال بما تبذله من أجل أسرتها ..

نعم، فلو شعر الزوج الشرقي حقا بكم المجهود وحجم المعاناة ..

لوضع لها تمثالا في البيت ..


ـ إصحى يا بنى .. الساعة بقت عشرة ..
طبعا أكيد سهرانين لغاية واحدة بعد نص الليل ..!!!!


ـ لا .. سهرنا للفجر


ـ و نمتوا من غير ما تصلوا ؟!!!!!!!!!!


ـ يا ماما ليه الهجوم اللي على الصبح ده !!!!

الحمد لله صلينا


ـ طب يالا قوم


ـ يادى النيلة !!!!

يا ماما بقولك سهرنا للفجر عشان تسيبينى نايم شوية ..
مش عشان تقوليلى قوم !!!!!
وبعدين ما تروحي تصحي البشر التانية الأول، اشمعنى أنا أول واحد !!!!!؟؟




ـ لا طبعا .. أنت الأول .. أنت الكبير



ـ يا ستي أنا أصغر وأعيل واحد في البيت ده،
بس سيبينى نص ساعة كمان



ـ ما تقوم يا بنى بقى بلاش دلع، عايزين حاجات الفطار !!!!!!!!



وأنهض مستسلما لقدري ..

فهي طقوس إفطار يوم الجمعة ..

إحضار العيش والفول والفلافل والجرائد !!!

ثم يأتي صراع أفراد الأسرة للفوز بالعدد الأساسي من جريدة الأهرام ..

ليكون له السبق في قراءة بريد الجمعة للأستاذ عبد الوهاب مطاوع ..

ويستسلم أصحاب النفس القصير في هذا الصراع بالتصبر بالملحق

أو حتى بملحق أخبار السيارات !!!



ـ ياولاد يالا، الفطار جاهز !!!! سيبوا الجرايد دلوقتي وابقوا كملوا بعدين !!



وكما تعودت الأسرة ..

نفطر سويا ..

وهذا لا يتحقق إلا في هذا اليوم المفترج ..

وما يلي ذلك من توسلات الأب بسرعة النهوض وعدم التأخر

لأن ثواب صلاة الجمعة ( قبل الخطيب ما يطلع على المنبر )



ـ قوم يا بنى بقى !!!! الصلاة حتبدأ ..
الثواب قبل الإمام ما يطلع على المنبر !!!



ـ حاضر يا بابا !!! روح بس أنت أتوضا وحتلاقينى جاهز ..



ودائما وكما جرت العادة ..

لا يحلو المزاح مع الأخوات إلا بعد الإفطار يوم الجمعة ..

فالبيت تطل عليه نفحه عجيبة من الراحة والطمأنينة ..

سر مكنون لا يعلمه أحد حتى الآن ..

وكنز مفقود في الغربة لن تجده إلا بالرجوع لدفء الأحضان ..



ـ أنت لسه ما خلصتش الحكاوي بتاعتك ؟!!!!

أنا نازل .. سلامو عليكم



ـ استنى بس !!! دقيقة واحدة !!!! عاجبكوا كدة !!!!


...................................................................

هل أدركتم من أي نقطة أريد أن أبدأ الحوار ؟؟


لا يسعد الإنسان بالمكان ..
وإنما يسعد الإنسان بالإنسان ..


هكذا علمني أستاذي عبد الوهاب مطاوع في كتاباته ..

وهو أول شيء تسلبه منك الغربة ..

من تحب ..

إنني أجهز إفطار يوم الجمعة ..

أجهزه بنفسي ولنفسي ..

كي أفطر وحيدا ..

أقرأ بريد الجمعة لعبد الوهاب مطاوع متصفحا جريدة الاهرام على الانترنت ..

ولكن ..

أين تعليقات الآخرين ؟!!!!

ومع من سأناقش تلك التجارب الإنسانية الرائعة ..

علنا نتعلم شيئا ممن علمتهم السنين وأعتصرتهم الحياة !!!!

أجهز نفسي للصلاة قائلاً ..


ـ يالا بسرعة .. الثواب قبل الإمام ما يطلع على المنبر !!!


ولكن ..

هل سأذهب وحدي للصلاة ؟!!!

ودون الوالد الحبيب الذي ينتظرني دائما !!!!

لقد اختفت الجرائد كلها !!

واختفى معها بريد الجمعة !!!!

إيه ده !!!

ياخبر !!!

ده التليفون بيرنّ .. !!!

أنا سرحت ولا إيه ؟!!!



ـ آلو ...


ـ إيه يا عم قلقتني عليك !!!!! التليفون بيرنّ من زمان !!!

أنت كنت نايم ولا إيه ؟!!!!!



ـ لا أبدا .. كنت بفطر ونازل أصلي الجمعة
حشوفك في الصلاة إن شاء الله ؟!!



ـ ما أنت عارف أنا مش بصلي الجمعة عشان عندي شغل !!!!
أنا بكلمك دلوقتى من المستشفى !!



ـ والله نسيت .. افتكرت ان انهاردة اجازة كالمعتاد !!!!!!
هو الجو إيه النهار ده ... ؟؟



ـ درجة الحرارة 5 تحت الصفر !!!
ما تنساش تأخد الجوانتي والكوفية ..






ـ ايه ده !!!! 5 تحت الصفر !!!




ده أنا كنت بحسب النهارده الجو دفا !!!!






ـ دفا !!!!! في ايه يا عم !!!
أنت هنا في ألمانيا !!!!
الدفا هناك ...
الدفا في مصر !!!!!



ووجدتني أرددها وراءه دون أن أدري ..

بل وأشعر بكل حرف من معانيها ..



ـ عندك حق ..
الدفا هناك ..
الدفا في مصر !!!!!





2. عند أول فراق




" تعلن شركة الخطوط الجوية الألمانية ( لوفت هانزا ) عن قيام رحلتها

رقم 261 والمتجهة إلى فرانكفورت ..

على حضرات السادة الركاب التوجه إلى صالة السفر رقم 2 "




كانت عقارب الساعة تشير إلى الثالثة من صباح يوم جديد لشهر أغسطس ..

حيث اعتاد الطقس في تلك الفترة من الصيف

على أن يقسو بعض الشئ على سكان مصر عامة ..

ومدينة الإسكندرية بصفة خاصة ..

بل وفى هذا اليوم على أسرتي بالذات ..

الحرارة مرتفعة ..

النسمات قليلة ..

والجو مشحون بالمشاعر ..





ـ مسافر فين إن شاء الله ؟!




ـ ألمانيا بإذن الله




ـ واضح من التأشيرة أنك مسافر دراسة

بالتوفيق يا بني ..

احتفظ بكعب تصريح السفر ده لغاية باب الخروج من المطار ..

ربنا معاك ..




تسلمت جواز سفري من ضابط الجوازات بالمطار وهو يدعو لي بالتوفيق ..

كان آخر شخص دعا لي قبل أن أخرج من أرض المحروسة ..

وما هي إلا لحظات ..

حتى وجدت نفسي أربط حزام الأمان داخل الطائرة ..

استعدادا للإقلاع من تراب مصر إلى المستقبل المجهول !!!

الأحداث تتلاحق ..

ولم أعرف طعم النوم في الأربع والعشرين ساعة الأخيرة قبل سفري ..





ـ لو سمحتِ حضرتك .. عندي صداع رهيب .. ممكن أسبرين ؟!!




ـ أكيد طبعا ... دقايق و حيكون عندك !!





أسندت رأسي إلى النافذة وأغمضت عيني قليلا علني أستريح بعض الشيء

من هذا الصراع الدامي والذي لم يتوقف طوال الأيام الماضية ..

كيف استطعت أن أترك أهلي وأخواتي وأرحل ؟!!!

كيف استطعت أن أودع تراب مصر ..

وبحر الإسكندرية ..

وذكريات عمر مضى ..

هي حصيلة ثلاثة وعشرون عاما !!!!!

هل أنا إنسان آخر ؟ !!!!!





ورجعت بذاكرتي إلى الأربع والعشرين ساعةً الأخيرة ..

تلك الساعات الرهيبة ..

والتي تتابعت فيها الأحداث بشكل درامي ..

واكتسحت خلالها جرافات السفر كل مااعترض طريقها من مشاعر ..

وذكريات ..

وتوسلات ..

من داخل نفسي أولا ..

ومن نظرات الأب والأم والأخوات !!!!

نعم ..

لقد اكتسحتها تماما ..

و بلا رحمة ..

جعلتها والأرض سواء !!!!!

تلاحقت الأحداث بسرعة البرق وبلا توقف ..

فقد حصلت على التأشيرة يوم الأربعاء ..

وكان عليّ أن أسافر فجر الخميس ..

أي في اليوم التالي مباشرة ..

حيث هناك امتحان مصيري ينتظرني يوم الجمعة سيحدد مستقبلي ..

وما إذا كنت سأقبل بالجامعة ..

أم أعود إلى مصر بخفيّ حنين !!!

فقد كنت في اتجاهي لخوض صراع رهيب ..

ولكن من نوع آخر ...






ـ آلو ... أيوه يا ماما ربنا وفقني وأخدت التأشيرة




وبصوت يحمل فرحة المفاجأة ...



ـ بجد يا بني .. الحمد لله



ـ أنا حروح دلوقتي اشتري شوية حاجات ناقصاني




ـ طب ما تتأخرش ..

أنت يعني خلاص حتسافر النهاردة الفجر ؟؟




ـ أيوه ..

كده طيارتي الفجر الساعة ثلاثة ..




واحتبس صوتها للحظات..

ثم تداركت الموقف ..



ـ طب هات حاجاتك بسرعة وتعالى ...

ماتتأخرش !!!



وأحسست بأول مرارة في حلقي بعد تلك المكالمة ..

ففى هذة اللحظات تصبح الدقائق بحق أغلى من الذهب ..

ذهبت لأشتري متعلقاتي ..

وبدأت رأسي تدور ..

فقد كان هذا يعني أنني بعد أقل من 14 ساعة سوف أرحل !!!

وهناك فارق كبير بين أن تتخيل الشيء وبين أن تعيشه واقعا ملموسا !!!

ولهذا قال الله تبارك وتعالى في محكم آياته ..

( كلا لو تعلمون علم اليقين . لترونّ الجحيم . ثم لترونها عين اليقين )

فشتان بين أن تعرف ..

وبين أن ترى وتعيش بنفسك !!!

ذهبت إلى البيت ..

وإذا بأبي يفتح لي الباب ..

ابتسم لي ابتسامة الأمل والتشجيع ..

كان قويا شامخا كعادته ..

ولكني أحسست لأول مرة في حياتي بأنة يتمزق من داخله ..

حاول جاهدا أن يخفي عني هذه المشاعر ..

ولكني سمعتها مع نبضات قلبه عندما احتضنني ليهنئني بالتأشيرة ..

شعرت بجبال تنهار داخله ..

فيغطي صوت صخورها المنهارة على دقات القلب الحزينة ..





ـ الحمد لله يا بني ..

ربنا يوفقك في طريقك ...

ها نفسيتك إيه ؟!!!




كان سؤالا عجيبا !!!!

فقد شعر بحاسة الأب أنني بدأت أيضا أرتعد من الداخل ..

فأراد أن يشحذ الهمة ..

ويعطيني الثقة ..




ـ الحمد لله .. يمكن بس أكون قلقان شوية !!




ورمقته بنظرة ..

فوجدت في عينيه نظرة التحدي ..

وكأنه يريد أن يرى حصاد سنين تربيته لابنه الوحيد في تلك اللحظة الحاسمة ..

فأردت ألا أخيب ظنه ..

ونظرت في عينيه نظرة الثقة والأمل في الله ..




ـ إن شاء الله يا بابا مش حخيب ظنك !!!






كانت أمي و أخواتي يجهزون لي كل شيء ..

شنطة سفري يحملون بها كل ما يتوقعون أنني ربما سأحتاجه في الغربة ..

ملابس ..

أدوات ..

حتى الخيط وإبرة الخياطة ..

وذهبت للمطبخ لأجد أمي على حالها الدائم في كفاحها المستمر ..




ـ بتعملي إيه بس يا ماما ؟!!




ـ بص .. أنا بعملك شوية قراقيش عشان تفطر وتتعشى منهم ...

وأهو يبقوا معاك لغاية ما تعرف الأكل هناك هيكون إزاي !!




ـ وبتتعبي نفسك ليه دلوقتي ؟!!




ـ يا بنى طب خليني الحق أتعبلك قبل ما تسافر ..

يا عالم هتلاقي مين هناك يعملك حاجه !!!!



احتبس صوتها ..

وفاضت عيناها ..

واستدارت عني حتى لا أرى دموعها ..

في تلك اللحظات فقط من حياتك تشعر بمزيج عجيب من المشاعر ..

تشعر بأنك مركز الأنانية ..

ومستقر الدونية !!!

فكل هؤلاء الأحباء لا يريدون سوى سعادتك ..

ويؤثرون مصلحتك على رغبتهم بأن تبقى معهم ليأنسوا بك !!!

نصبوا من أنفسهم جنوداً لك ..

يجهزوا لك كل شيء ..

ثم تشعر بحقيقة مشاعر الحب

وأنت تنتزع من بينهم قطعة قطعة ..

مع اقتراب ميعاد سفرك ساعة بعد ساعة !!!

ألهذه الدرجة قيمتي عند هؤلاء البشر ؟!!

ثم تشعر في تلك اللحظات وكأنك قلب والدك ..

ورئة والدتك ..

وعقل أخواتك ..

فكيف لهذا الجسد أن يعيش بدونك ؟!!!!




طب ما تفكر تاني ..

إيه اللي حيحصل يعني لو ماسافرتش ؟!!

أنا عندي هنا كليتي ودراستي وممكن أحاو .......




ـ يا محمود ... تعالى كده شوف إحنا رتبنا الشنطة إزاي ..



ـ إيه ده !!!! انتوا رتبتوا كل حاجة ؟!!!





تتلاحق الأحداث بحيث لا تجد وقتا للتفكير ..

خلاص ..

انتهى وقت التفكير !!!

وكانت المشكلة الأخرى في اثنين من الأخوات ..

ارتبطوا بي لدرجة الصداقة المتينة ..

كنا ولازلنا نتحدث في كل شيء ...

وأي شيء ..

نتناقش ونتحاور ونتعلم سويا من بعضنا البعض ..

فقد كنا ولازلنا سويا أوفى الأصدقاء !!!

هل لي أن أفكر ثانية ..

أراجع نفسي علني أست.....





ـ محمود ... تعالى .. خالو جه عشان يوصلك المطار !!





ياإلهى ...

لماذا تلاحقني الأحداث هكذا !!!!

تمر تلك الساعات بسرعة البرق ..

لم أتمنّ المستحيل في حياتي إلا في هذا الوقت ..

فقط أن تتمهل ساعة الزمن ..

تستريح قليلا ..

علني ألتقط أنفاسي ..

وأستريح أنا معها ..

ربما أعدل عن قراري ..

من أنا ؟!!

هل أنا إنسان آخر ؟!!!

لم أعرف معنى الأنانية في حياتي ..

فلماذا تصبح الآن هي واقع حياتي ؟!!!




وأودع جنبات منزلنا الحبيب ..

أركب السيارة في اتجاه مطار الإسكندرية

وعيناي ترمقان الطرقات في تلك الساعة المتأخرة من الليل وأنا لا أصدق ..

تمر الدقائق ..

والتساؤلات لا تتوقف ..

كيف أدركت نفسي تلك الصلابة والقسوة ؟!!

هل أنا إنسان آخر ؟!!!




نصل المطار ..

وتأتي اللحظات الحاسمة والأخيرة ..




ـ محمود .. مش حوصيك .. لو احتجت أي حاجة بس أدينا تليفون



ووسط هذا الخضم من التضحيات والمشاعر المتفجرة ..

لا تشعر إلا بأنك مزيج من الأنانية والقسوة ..

فأنت الذي حكمت على أحبائك بالإعدام ..

وأنت الذي تنفذ الآن هذا الحكم بلا شفقة أو رحمة !!!

ثم تأتي اللحظة الحاسمة كي تودعهم الوداع الأخير ..

فلا تعرف بمن تبدأ ..

وبمن تنتهي ..

تمشي الدورة لتحتضن الأم ..

ثم الأخت فالأخت..

وأخيراً الأب ..

وتسمع بكاء الأم ..

فتعاود ثانية لتحتضنها ..

ما هذا ؟!!!



طظ فى مييييييييية سفر !!!

وميييييييييييييية غربة !!!

أنا مش مسا ................




ـ يالا يا محمود ... يالا كفاية كدة ..



كان صوت خالي والذي دفعني لآخذ العربة بحقائبي ..

وأخذتها ولم أنظر ورائي ..

بل اندفعت نحو صالة المطار ..

شعرت بأن ورائي عمارة تنهار ..

تماما كما تنهار العمارات التي يقومون بتفجيرها بالديناميت ..

فتسقط دفعة واحدة ..

جثة هامدة ..

نعم ..

انهارت خلفي عمارة الأسرة مرة واحدة ..

ولكني لم أنظر خلفي !!!!!!!!

نعم لم أنظر ..

وحتى الآن لا أعرف لماذا لم أنظر !!!!!!!

أقسم بالله ..

لو أنني كنت قد نظرت خلفي لعدت لهم ثانية ..

ولكن لماذا لم أنظر ؟!!!

هل أبدلني الله شخصاً آخر حتى أستطيع الرحيل ؟!!!!

ربما ..

كنت أشعر بأنني أدوس على قلوبهم بعربة حقائبي وأنا متجه لصالة المطار ..

فيا من تفكر فى الغربة ..

حذار كل الحذر من أول لحظة فراق !!!

فكر ألف مرة قبل أن تتخذ قرار الغربة !!!

إن مرارة تلك اللحظة لازالت عالقة فى فمي حتى الآن ..

ولازلت أسأل نفسي ..

هل كنت إنسانا آخر ؟!!!

ولم أشعر إلا بيد المضيفة وهي توقظني من غفوتي ..




ـ الأسبرين يا فندم ... حضرتك نمت ولا إيه ؟!!!




ـ هه !!!! لا أبداً .. هو فاضل قد إيه لسه على الرحلة ؟!!!




ـ رحلة إيه حضرتك ... إحنا لسه في مطار اسكندرية ...

الطيارة لسه ماتحركتش ..

الرحلة لسه طويلة ... طويلة جدا !!!!!




وأدركت فى تلك اللحظة أن الساعات التي هرولت بسرعة البرق قبل السفر

قد تجمعت أحزانها معا وذلك كي أتجرع مرارتها لحظة بلحظة ..

وبمنتهى البطء ...

فكنت أتذكر كل دقيقة منها ..

وتمر على ذاكرتي وكأنها أياماً طويلة ..

وأدركت فى تلك اللحظة الحقيقة المرة ..



نعم ..

لقد كنت إنسانا آخر !!!






3. رأيت الله .. مقدمه



الإسكندرية ..

محطة الرمل ..

شارع سعد زغلول ..

إن اجتماع تلك الكلمات الثلاثة مع بعضها البعض لا تعني في قاموسي اللغوي

إلا أنني فى طريقي للذهاب إلى وكر من الأوكار الثلاثة الآتية ..

منشأة المعارف ..

دار المعارف ..

المعرض الدائم للكتاب ..

فتلك الأوكار الثلاثة هي مصدر انتشار حمى الثقافة فى الإسكندرية !!

تلك المدينة العريقة ..

والتي كانت يوما ما مصدرا لانتشار حمى الثقافة فى العالم كله !!!




رأيت الله

ما هذا ؟!!!

آه ..

الدكتور مصطفى محمود يعاود الكتابة من جديد ..

ويجذبك كعادته ..

ليس فقط بأسلوبه وأفكاره ..

بل وبعنوان كتابه !!!!!




ـ الحساب كام حضرتك ؟!!




ـ ثلاث جنيهات فقط !!




هي ميزة كتب د. مصطفى محمود دائما ..

ليس لها التأثير المفجع على الاقتصاد القومي لك عزيزي القارئ ..

بل وتظن في كل مرة وأنت تدفع فيها هذا الثمن الزهيد

أنك قد خدعت دار النشر ..

واستطعت أن تقتني فى عقلك خلاصة تجارب هذا الرجل

بثلاث جنيهات زهيدة !!!


هكذا كنت أظن دائما ..

ولكن المؤسف والمبكي فى نفس الوقت ..

أن المضحوك علية فى تلك القصة كلها هو أنت ..

قد تقرأ ما هو مكتوب ..

وتظن أنك قد فهمت المراد ..

ولكن ..

تطلّ عليك مقولة عجيبة

وفى نفس الموقف الذي يشرحه الكتاب، لتقول لك باسمة ..

( لا يزال المرء يتعلم ويتعلم ... فإن ظن أنه علم ... فقد بدأ يجهل )





رأيت الله ..

هكذا كتب د. مصطفى محمود فى عنوان كتابه

وكل ما يريد أن يقوله هذا الرجل فى كتابه ..

هو أنك تستطيع أن ترى الله في كل شيء حولك ..

رزقك ..

أولادك ..

حياتك ..

جسدك .. الخ





فيها حاجة دي ..

ما أحنا بنفهم أهو يا عم !!!

يقولك بس كاتب ومفكر ..

ويقعدوا يضحكوا على الناس ويألفوا فى كتب ..

عشان يشرحلك الكلمتين دول !!!

يعني الواحد لو ألف كتاب

مش بردوا ممكن يقول نفس الكلمتين ..

ما أنا عارف أن ربنا هو اللي بيرزقنا ..

وهو اللي بيحمينا وبيسّر لينا الخير !!!

ده شيء بديهي ومفهوم !!!

يا خسارة ال3 جنيه !!!!


........................................................


كان كل ما يشغل تفكيري وأنا فى رحلة الذهاب بعد تناولي للأسبرين

أربعة أشياء فقط لا غير ..

ـ أولها كيف سأصل المدينة بالقطار وكيف لي أن ألحق بالقطار ؟!!



ـ وثانيها أين سأبيت ليلتي في تلك المدينة ؟!!



ـ أما ثالث تلك المشكلات فكان ذلك الامتحان المصيري

والذى سأكتبه باللغة الالمانية ..

وفور وصولي مباشرة و على ضوء نتيجته ..

سيتحدد ما اذا كنت سأقبل بالجامعة أم لا ..




ـ ويبقى آخر تلك المشكلات سؤالٌ مفتوحٌ بلا جواب ..

ماذا سأفعل في حالة رسوبي؟

وهو المتوقع غالبا مع كل هذه الضغوط العصيبة !!!!



كل ما في حوزتي عن المدينة ورقتين حصلت عليهم من الانترنت ..

الأولى بها عناوين الفنادق ..

والثانية بها مواعيد ذهاب القطارات من مدينة فرانكفورت إلى مدينتي

والواقعة في أقصى شمال شرق ألمانيا !!!



يارب ..

خليك معايا ..

ماليش غيرك دلوقتي ..

مفيش حد في استقبالي ..

ومش عارف النظام ولا اللغة متقنها ..

يارب ..

خليك معايا ..

ماليش غيرك ..


كان المنطق يفرض عليّ محاولة البدء فى إيجاد بعض الاجابات المحتملة لتلك الاسئلة ..

السؤال الأول وهو : كيف سأصل مدينتي ؟!!

سؤال تافه لمن يقرؤه ..

قطعا بالقطار ..

ولكن الأهم ..

أي قطار ؟!!

فورقتي البائسة تخبرني على استحياء

أنه بإمكاني اللحاق بقطار وحيد مباشرة من مدينة فرانكفورت وحتى مقصدي ..

وذلك كي لا ألجأ إلى تبديل القطار في محطات أخرى ..

وهو ما يعرضني للضياع التامّ في حالة فقدي لإحداها أثناء الرحلة ..

والحل هو القطار السريع المباشر ..

إذن أين المشكلة ؟!!!!

يتحرك هذا القطار السريع من محطة القطارات في مدينة فرانكفورت

فى تمام الثامنة صباحا ..

وطائرتي ستهبط إلى أرض المطار في تمام السابعة والربع صباحا ..

أي أنه لابد لي من استلام حقائبي

ثم الجري السريع كي أستقل مترو الإنفاق من المطار وحتى محطة قطارات فرانكفورت

محملا بثلاث حقائب تزن جميعها 50 كيلوجرام

ثم أقوم بشراء التذكرة من محطة القطارات ..

كل هذا في 45 دقيقة فقط لا غير !!!!

وكيف لي ذلك وأنا لا أتقن اللغة ..

ولا أعرف المدينة !!!

وإذا ضاع القطار فإن الحل الآخر هو أن أعود إلى مصر على نفس الطائرة ..

لانه يعني ضياع الامتحان ..

وضياع كل شئ !!!!




يارب ..

خليك معايا..

ماليش غيرك ..




أما السؤال الثاني وهو ما كان يؤرق أسرتي

ويؤرقني أنا أيضا ..


ـ أين سأبيت ليلتي ؟!!


عناوين الفنادق معي..

ولكن هل سأستطيع تدبير ذلك عند وصولي المدينة في الثامنة مساءً ..


ويبقى السؤال الثالث ..

وهو أساس تلك الرحلة كلها ..


ـ ماذا سأفعل في الامتحان ؟؟


إنه فى الثامنة من صباح اليوم التالى لوصولى ..

ويتعين عليّ النجاح لأحصل على المقعد بالجامعة !!!!



يارب ..

خليك معايا ..

ماليش غيرك ..



مكثت ساعة كاملة وأنا أقلب تلك الأسئلة فى ذهني

ولا أجد إجابة لأيّ سؤال منهم ..

ماذا سأفعل ؟!!!

ألا توجد حلول ؟!!!

ألا توجد أسباب ؟!!!


بلى ..

هناك حل واحد ووحيد ..

لا حل غيره ..

ولا تملك سواه ..

أن تسلم أمرك لله ..

وتتوكل على الله ..
أو بمعنى أدق ..

أن يعلمك الله أخيرا كيف تسلم نفسك له وحده ..

وكيف تتوكل عليه وحده ..

كيف تنسى الاسباب لانك فى كنف مسبب الاسباب ..

أن ترى أخيرا ما يجب أن تراه ..

وحرمك ماضيك وتربيتك ونشأتك وثقافتك

وعقيدتك المبتورة عن رؤيته ..

أن تدرك وترى أخيرا بأن الله وحده هو الرزاق ..

وهو وحده الوكيل ..

وهو وحده الفاعل على الحقيقة فى كل شئ يحدث فى حياتك

وليست الاسباب والبشر ..

أن تنسى عقيدتك الواهيه والتى يقول معها لسانك فى كل يوم

لا اله الا الله ..

ولكنك تؤمن من داخلك أن رزقك بيد رئيسك ..

وأمنك وحمايتك من أبيك وعمك وخالك ومعارفك ..

يقول لسانك فى كل لحظه ..

الله أكبر ..

ولكن واقع أمرك يقول أن حب الدنيا أكبر ..

وشهواتك أكبر ..

وخوف الناس والمجتمع أكبر ..

أن تتعلم أخيرا كيف تقول تلك الجملة بكل ذرة فى كيانك ..



ـ يارب .. خليك معايا ... ماليش غيرك ..



هل تشعر بمعنى تلك الجملة ... ؟!!!

إنني أتحدى أن تشعر بمعناها

إلا إذا اعتصرتك الحياة ...

وتفلتت منك الأسباب !!

هل تعرف لماذا ؟!!

كي تستطيع أن ترى الله ..

تراه بقلبك ..

تراه بكل كيانك ..

أن تسجد له كما لم تسجد من قبل !!!

هل تعلمون كيف رأيت الله ؟!!

عندما انفكت طلاسم هذا اللغز الحائر ..

وبعد ثلاثة أيام من نزولي لأرض الألمان !!!

فقط في تلك اللحظات ..

أدركت قيمة الجنيهات الثلاث ..

ولامس قلبي معاني الكتاب ..

وصدقت ما كتبه المفكر والأديب ..

أدركت أنه لن يمكنني كتابة حرف واحد

مما قرأت في هذا الكتاب ..

إلا إذا تيقن قلبي من المعنى والحقيقة !!!









4 . رأيت الله .. 2



شهر رمضان ..

الفوانيس ..

بائعي الكنافة وقد افترشوا الأرصفة ..

تسمع صوت عبد المطلب وهو يغنّي..

رمضان جانا وفرحنا به بعد غيابه أهلا رمضان ..

صيام وإفطار ..

فوازير وبرامج ..

وفيضان من المسلسلات يندفع في اتجاهك

كاندفاع الماء من شلالات نياجرا ( و التي لم أرها )




رأفت الهجان .. الحلمية .. أرابيسك ..نصف ربيع الآخر .. ضمير أبلة حكمت ..

من الذى لا يحب فاطمة ..لن أعيش في جلباب أبى .. هارون الرشيد ..

أهالينا .. هوانم جاردن سيتي .. امرأة من زمن الحب .. الضوء الشارد ..




يااااااااااااااه ...

سنوات تمر وتمضي ..

شعرنا خلالها بروحانيات جميلة من الترابط الأسري والتجمع العائلي ..

ونفحات لا تجدها إلا في رمضان ..

ولكن يبقى المؤلم للنفس ..

أن كل تلك النفحات الروحية كانت بعيدة كل البعد عن الغذاء الحقيقي

والذي تشتاق إليه النفس !!!

كيف لي أن أرى الله كما كتب الدكتور مصطفى محمود وسط كل هذا الضباب ؟!!!

قرأنا الكثير ..

نعم كنا قارئين بنهم ..

ولكن كما ذكرت سالفا ..

أن تقرأ و تفهم شيء ..

وأن تعيش ما قرأته وتعلمته واقعا ملموسا في حياتك شيئا آخر ..

وينقضي رمضان العام ..

ليأتي رمضان آخر ..

ولا تذكر من هذا الشهر الكريم إلا الكنافة والقطايف ..

إعلام يقتحم حياتك كالمارد ..

فلا ترى في هذا الشهر سوى البرامج الترفيهية ..

وسيل من المسلسلات ..

والتي أجد فيها عملا فنيا رفيع المستوى ..

يحوي في مضمونه فكر راق ..

بل وأداء أرقى من فريق العمل ..

ولكن ..

لماذا ؟؟؟!!!!

لماذا في هذا الشهر الكريم على وجه الخصوص ؟!!

فلو وزعت تلك الأعمال القيمة على مدار العام ..

لتناول المشاهد جرعات معتدلة ..

تضمن له القدرة على استيعاب مضمونها ..

وإدراك الفكر الذي تحتويه !!!!

ولكي أكون منصفا وعادلا في وصف تلك الفترة الزمنية الخطيرة من كل عام ..

فلابد أن أذكر انتظامي في الصلاة على وقتها في هذا الشهر..

فلا يصح الصيام بدون انتظام في الصلاة ..

وكأنها مفروضة فقط في رمضان ..

بل و كنت من أشد المحافظين على قراءة القرآن يوميا ..

وذلك حسب علو أو دنو الهمة ..

صفحتين .. ثلاث صفحات ..

يعني ..

بل ومن إنجازاتي الخطيرة مواظبتي اليومية على صلاة الفجر ..



هل أدركتم مدى التغير الجذري في العبادات خلال هذا الشهر ..

أو دعونا نقول .. ظاهر العبادات

لان العبادات لو استقامت على عقيده سلميه

لتغير العالم بأيدينا


إنجازات غير مسبوقة ..

روحانيات وعبادات وقرأن وتراويح ومسلسلات وبرامج ..


كوكتيل عجيب

تخرج بعده النفوس لتتطاحن وتغتاب وترتشى وتأكل الحرام

ويوميا تنتظرنا عزومة ..

إنها ذروة العبادة والقرب والاجتهاد في الطاعة ..




ـ هات القناة الأولى دلوقتي بدون كلام ..


ـ هات الثانية حوار صريح جدا ..


ـ يا جماعة هاتوا الأولى فيها الكاميرا الخفية ..


ـ هات الأولى ..


ـ هات التانية ..

الأولى ..

التانية ..

الأولى ..


ـ يا خبر أسود .. العشاء بتأذن في القاهرة ..


معانا 4 دقايق نخطف صلاة المغرب ..

قوموا بسرعة ..

يالا ..

....................... ............................



هبطت الطائرة في مطار فرانكفورت

وذلك في تمام السابعة من صباح يوم الخميس

لتخطو أقدامي أولى خطواتها على

الأرض الجرمانية استعدادا لمواجهة كمّ من التحديات المجهولة الأبعاد !!



ـ يا عم إيه الكلام الكبير ده دلوقتي ...

أنت حتخطب !!!!!!!!!!




وهرولت متتبعاً لوحة الإرشادات

حتى أستطيع الوصول لمكان استلام الحقائب !!!

الوقت يمر كالبرق والساعة أصبحت السابعة والربع ..

ولا أعرف لهذا المطار أولاً من آخر ..

فالمطار ،على الرغم من روعة تنظيمه،

إلا أنه مع ضخامته وسباقك أنت شخصيا مع الزمن

يجعلك تتوه في عقر دارك

وليس داخل مطار فرانكفورت أحد أكبر مطارات العالم !!!

ماذا أفعل ؟!!

لابد أن أتحرك لأسأل أيّ إنسان يستطيع مساعدتي ..




ـ لو سمحتِ .. ممكن تقوليلي استلام الشنط لطيارة الإسكندرية منين ؟




ـ تعال معي ..لقد أتيت معك أيضا من الإسكندرية .. الاستلام من هنا ..



كانت سيدة تبدو على ملامحها أنها تخطت الخمسين بقليل ..

و يبدو على هيئتها الترف والثقة في نفس الوقت..

مضيت معها وأنا أنظر في الساعة كل لحظة ..

حيث بدأ مسلسل آخر من مسلسلات رمضان المشوقة ..

ولكن ليس من تأليف أسامة أنور عكاشة وإخراج محمد فاضل..

إنه مسلسل أراد الله تعالى أن يعلمني به ألا أنسى العهد معه في تلك الغربة المجهولة ..

فإما الرجولة المطلقة مع الله تعالى ..

وإما الضياع بلا عوده ..

بدأ الحوار مع تلك السيدة بعد أن أدركتْ إضطرابي الشديد فحدثتني بالإنجليزية

وذلك لعدم قدرتي على تجميع كلماتي بالألمانية في تلك اللحظات العصيبة ..





ـ أنت مالك قلقان كده ليه ؟!!



ـ أصلي لازم آخد الشنطة دلوقتي وأروح بأقصى سرعة على محطة القطار




ـ هو أنت مرتبط بقطار معين ؟!




ـ أيوه .. قطاري الساعة 8 من المحطة ..

ولازم ألحقه عشان عندي امتحان بكرة الصبح ..




ـ أنت مسافر فين ؟!!



ـ جرايفزفالد



ـ بجد !!!! ده أنا كمان مسافرة برلين على نفس الطريق ..

يعنى حنركب نفس القطار سوا .. بس أنا حنزل قبل منك في برلين





حدثتني نفسي بعبارات الطمأنينة ..

حيث وجدت في هذه السيدة العون المنتظر ..

وبشر يمكن الاعتماد عليه !!!!

وبدأت أهدأ قليلا بعد أن ظهرت الحقائب قادمة على حزام الأمتعة ..

كانت معي عربة للحقائب ولكني لاحظت أن السيدة ليس معها عربة ..

فسألتها ربما تحتاج لواحدة فأجابتني بالنفي ..

وما إن أتت الحقائب حتى وجدتها تضع حقيبتها مع حقيبتي على نفس العربة !!!

في البداية لم ألق للأمر بالاً ..

فهي سوف تذهب معي وهو أمر طبيعي ..

ولكنى عندما دفعت بالعربة لكي نذهب وجدتها تخبرني بأنه علينا الانتظار

حيث أن معها أصدقائها على نفس الطائرة من الإسكندرية ..

وهم سوف يسافرون معنا بنفس القطار !!!


وبالفعل أتى اليها أصدقائها بعد مرور بعض الوقت ..

كان مظهرهم طبيعيا ..

ولكن شيئا ما بداخلي بدأ يقلق ..

وبدأت ألاحظ قدوم ثلاثة من ضباط البوليس إلى أحدهم ..

بل وإلى الآخر أيضا ...

وعندما طلبت من السيدة أن نرحل حيث لم يتبق سوى 35 دقيقة فقط ..

أصرت على الانتظار لأن أصدقائها مسافرين معها ولا تستطيع أن تتركهم !!

وبدأت أرتاب في الأمر ..





ـ أنا لازم أمشي .. إتفضلي حضرتك شنطتك .. أنا ماشي




ـ طب استنى .. خلاص أنا جاية معاك




وأدركت أن كل ما تريده هذه السيدة هو أن تضع حقيبتها معي

على نفس العربة لأقودها أنا إلى الخارج ..

تأكدت من هذا الشئ عندما أصرت على مرافقتي وترك أصدقائها

بعد التجمع البوليسي حول اثنين منهم !!!!!!!

وفي أقل من 10 ثواني كنت قد تركت لها حقيبتها

واندفعت بالعربة في اتجاه ضابط الجوازات ..

والسيدة ترجوني الانتظار وتناديني بكل أنواع التوسلات !!!

يا الله ..

ما هذه البداية المرعبة !!!

وما بداخل حقيبة السيدة علمه عند ربي ..

ولكنها الكلمات القديمة في الكتاب النحيف ذي الثلاث جنيهات البائسة ..

لن يساعدك أحد سوى ربك ..

حذار من الاعتماد على البشر ..

حذار من الركون إلى المخلوق ..

نعم ..

حذار كل الحذر ..

وكان الدرس الأول ..

ومن أول لحظة في الغربة ..

ولم أعلم حتى الآن ماذا حدث لتلك السيدة ..

وما الذي كانت تحتويه حقيبتها ..

وتريدني أن أخرج به من الجوازات ..

ربما كميات كبيرة من الدخان أحضروها معهم من مصر

وحاولوا التهرب بها من الجمرك الألماني والذي يحظر ذلك ..

ولكن المهم ..

أنني لم أرها ثانية في القطار ..

نعم لم أرها ثانية ..

ولم أرى غيرها أبداً ..

لأنني بعدها لم أرَ إلا الله ..

أو بمعنى أدقّ ..

تعلمت ألا أرى غير الله ..

وياليتني تعلمته منذ صغرى ..

هنا ..

أجد الحكمة الإلهية تنظر إليّ لتعلمني ..

وتربتُ على كتفي في حنان ..

وتهمس في خاطري ..

لن يستطيع الإنسان أن يرى الله

إلا إذا أراده الله أن يراه ..

في المكان الذي يقدره الله ..

وفي الزمان الذي يشاؤه الله ..






5. رأيت الله 3



وماشي مختار مختار بالكورة ..

يلعبها عرضية ..

يستلمها الخطيب ..

وبيبو .. وبيبو .. وبيبووووووووووووو ... جووووووون


ديسمبر 1982

مدينة أشانتي كوتوكو الغانية ..

ونهائي كأس الأندية الأفريقية لأبطال الدوري ..

حيث تُوج النادي الأهلي لأول مرة في تاريخه بطلا لأفريقيا ..

وهو الحدث التاريخي للنادي الأهلي ..

والحدث التاريخي لي أنا شخصيا !!!

كان عمري في ذلك الوقت قد تجاوز الست السنوات بقليل

وبدأت حمى كرة القدم تجتاح عقلي الصغير ..

الدوري العام ..

كأس مصر ..

كأس أفريقيا للأندية ..

كأس الأمم الأفريقية ..

وتصفيات كأس العالم !!!

ماتلبث أن تنتهي مباراة حتى يبدأ الإعداد لأخرى ..

والبطولة تعطي إشارة البدء لبطولة أخرى ...

العالم كله يشاهد كرة القدم ..

ويستمتع بالرياضة ..

بل ويسافرون لها آلاف الأميال ..

ولكن أن تصبح كرة القدم أحد المحاور الأساسية في حياتك

فهذا ما لا يقبله عقل إطلاقا !!!



ـ ومجدي عبد الغنى .. وشاط .. وجوووووووووووووون

هدف التعادل للمصريين .. هدف التعادل للمصريين .. الله أكبر ..

ونزلت عدالة السماء على إستاد باليرمو !!!!!!!!!!!!!!!!!!

المصريون يحصلون على التعادل المستحق مع هولندا بطلة أوروبا ...

مش ممكن ... إنجاز تاريخي !!!!!!!!!!!!!!




كانت بطولة كأس العالم في ايطاليا عام 1990 هي ذروة الإثارة والتشويق ..

وأذكر أننا كنا نجلس بالساعات ...

حيث تحول الشعب المصري بأكمله إلى 60 مليون خبير كروي يفكر ويفكر ..

ولا أظن أن أيّ إنسان قد جلس يفكر في المذابح

التي ارتكبت أثناء الانتفاضة الأولى للأقصى عام 1987، مثلما جلس يفكر في

وضع التشكيلة المثلى والتي يجب أن يخوض بها منتخب مصر الموقعة الفاصلة

والتاريخية والحاسمة أمام منتخب إنجلترا، والتي على أساسها سوف يتحدد

تاريخ مصر الحديث بأكمله

وما إذا كان جنود الوطن سيحققون النصر ..

ويكافحون بقيمة ما صرف عليهم من ملايين ..

أم سيودعون البطولة مأسوفاً عليهم ..

تاركين ورائهم دموع المصريين الحزينة على الخروج من بطولة كأس العالم لكرة القدم !!!!!!



ـ محمود ... تعالى ... مين اللاعب بتاع هولندا ده ؟



ـ ده إيفان ريكارد .. بيلعب في نادي انتر ميلان الإيطالي .. وهو من أصل سنغالي




وأذكر أنني كنت أحفظ التشكيلة الأساسية لأغلب منتخبات العالم ومراكز لاعبيهم

بل والأندية التي يلعبون لها كمحترفين !!!!!!!!!!

ولا تتعجب عزيزي القارئ إذا أخبرتك أنني كنت أعرف اسم حارس مرمى منتخب

كولومبيا ( هيجيتا ) ولا أعرف من هو عبد الله بن مسعود !!!!

وتمر السنوات ..

والبطولات والدورات لا تتوقف ..

ويظهر المارد الجديد في دنيا الرياضة المصرية ..

إنها كرة اليد ...

فتضاف بطولاتها للسجل السنوي المتخم بالبطولات والمسابقات ..

وكان لنا حدثا جديداً أن تجد منتخب بلادك يحصل في كل بطولة عالم

على أحد المراكز الست الأولى في البطولة !!!!

أيمن صلاح .. حمادة النقيب .. بلال .. جوهر .. عمرو الجيوشى ..

أشرف عواض .. أحمد العطار .. سامح عبد الوارث .. مروان رجب ..

إنه الجيل الذهبي لكرة اليد المصرية !!

وليس من العيب أن تشجع فريقا ..

أو تنتمي لمنتخب بلدك ..

ولكن أن تصبح الرياضة في حياتك كالسحابة التي تمنع سطوع الشمس على ذهنك ..

فتلك هي الكارثة !!!!!

أن تسمع الحوارات والنقاشات بين الجالسين على المقاهي

أو بين الشباب المتسامرين على نواصي الشوارع

حيث تمتد بالساعات ..

بل لا أبالغ إذا قلت بالأسابيع في فترة البطولات العالمية الكبيرة !!!

فتلك هي المصيبة !!!!!

وتستمر البطولات ..

فهي إكسير الحياة للشعوب التي تريد أن تدفن رأسها في الرمل

حفاظا على ماء الوجه أمام ما يحدث في العالم !!!

ولكن عزيزي القارئ ..

هل يستطيع إنسان في مرحلة التكوين الشخصي ..

أن يرى ما يجب أن يراه ..

وسط هذا الدخان والسحاب ..

وفرقعة الصواريخ أثناء المباريات ؟!!

فقط سؤال ينتظر الإجابة المعروفة مقدما ..




ـ محمود ... يا محمود ... تعالى هنا عايزاك



إنه صوت أختي يصدح من حجرتي ..

بالتأكيد تريد أحد الكتب من عندي ..



ـ فيه إيه ؟؟ بتعملي إيه هنا ؟!!



ـ إيه الكتاب الغريب ده ؟ رأيت الله ؟!!!



ـ أيوه .. ده كتاب لمصطفى محمود بيشرح فيه معنى بسيط



ـ بسيط !!!!!!!!!!! ؟؟؟



ـ آه .. عايز يقولك أنك المفروض تشوفي الله تعالى في كل حاجة في حياتك ..

وأنك كمان تعرفي إن ربنا ......... وأن الحياة دى ملك لله ...........

وأن .............. وأن .....


............................................................



كان عليّ أن أبلغ محطة قطارات فرانكفورت بالمترو

وأقوم بشراء التذكرة وألحق بقطاري

كل هذا في حوالي 20 دقيقة هي عمر ما تبقى معي من وقت

بعد انتهاء هذا المسلسل البوليسي في المطار ..

في حوزتي 60 كيلوجراما

هي حصيلة الحقيبة الكبيرة والحقيبة الأخرى التي أحملها فوق ظهري ..

ولا أعرف حتى الآن كيف أنجزت تلك المهمة في 20 دقيقة فقط !!!!

بل إنه من أكثر الأمور طرافة خلال رحلة القطار

أن الطقس في تلك الفترة من الصيف عاده ما يكون ممطرا على أوروبا

فهي ظاهرة طبيعية جدا ..

ولكنني جلست في القطار مشدوهاً مما أراه !!!!!!!!!



يا نهار مش فايت .. إنها تمطر في الصيف ؟؟؟!!!!!!
فكيف سيكون الشتاء إذن ؟؟؟!!!



وأحسست بالبرودة، على الرغم أن درجة الحرارة كانت تقريبا 23 درجة مئوية !!!

ثم بدأ العون الالهي ينهال عليّ دون توقف ..

وكأن ما حدث كان الإعداد النفسي لتقبل التغيير الذي لابد أن يجتاح عقلي ..

ليكشف لي النور الإلهى ...

هذا النور ينبعث من جملة وحيده ..

إذا أدركتها في حياتك ..

فقد أدركت سر الحياة ..

وسر وجودك على تلك البسيطة ..

وإن لم تدركها ..

عشت في ظلمة الأشياء والأسباب ..

ونسيت مسبب الأسباب ..

وبدأت تلك الجملة تهمس في أذني ...

تذكر أنه لا إله إلا الله ..

تذكر ما قرأت ..

تذكر ما تعلمته نظريا في حياتك ...

الآن حان الوقت ..

ودمعت عيناي وأنا أتذكر تلك الكلمات للدكتور مصطفى محمود ..

الآن فقط أشعر بمعناها ..

ووجدتني أرددها دون تفكير ..




" أشعر بالندم ياإلهى حتى نخاع العظم من أنى ذكرت سواك بالأمس ..

وهتفت بغير اسمك ..

وطافت بخاطري كلمات غير كلماتك ..

سمحت لنفسي أن أكون مرآةً للسراب ..

ومستعمرة للأشباح ..

جهلت مقامي ..

ونزلت عن رتبتي ..

وترجلت عن فرسي الأصيلة ..

لأركب توافه الأمور ..

وأمشي مع السوقة ..

وأزحف على بطني مع دود الأرض !!

خدعني شيطاني ..

وأستدرجنى إلى مسرح العرائس الذي يديره ..

وإلى تماثيل الطين والزجاج والحلي المزيفة ..

إستدرجني إلى أناس يحبون للشهوة ..

ويقتلون للطمع ..

ويتزاوجون للتآمر ..

رجال وجوههم ملساء ..

ونظراتهم خائنة ..

ونساء تغطيهن المساحيق ..

فلا تبدو ألوانهن الحقيقية ..

عالم جذاب كذاب ..

يضوع بالعطور ..

ويبرق بالكلمات !!

عالم لزج معسول ..

تغوص فيه الأرجل كما يغوص النمل في العسل ..

حتى يموت بلزوجته !!

والأصوات ياإلهى في هذا العالم كلها هامسة مبللة بالشهوة ..

تخترق الضمائر ..

وتأكل الإيمان من الجذور !!!!

وسمعت في قلبي صراخا يناديك ..

كانت كل خلية في بدني تتوب ..

وتؤوب ..

وترجع ..

وسمعتك تقول في حنان ..

لبيك عبدي ..

وعاد اللا شيء إلى اللا شيء ..

وعدت أنا إليك ..

سبحانك ..

لا إله إلا أنت ..

القرب منك يضيف ..

والبعد عنك يسلب ..

علمت ذلك بالمكابدة والمعاناة ..

وأدركته بمشوار الخطايا والذنوب ..

فمن خطيئاتى نبتت الحكمة ..

كما تنبت أزهار الياسمين من الأرض السبخة ..

ومن دموع ندمي حدثت الناس ..

فصدقوني ..

لأنهم رأو كلماتي مغموسة بدمي ..

ربي ما أتيت الذنب جرأة مني عليك ..

ولا تطاولا على أمرك ..

إنما أتيته ضعفاً وقصورا ..

حينما غلبتني طينتي ..

وغشيتنى ظلمتي " **



تذكرت تلك الكلمات لأستاذي الحبيب ..

ونظرت من النافذة ودموعي تتساقط ..

وتوقفت كل حواسي الظاهرة والباطنة ..

إلا حاسة واحدة ..

حاسة البصر القلبي ..

حيث بدأت لأول مرة في حياتي أرى ..

نعم ..

لأول مرة في حياتي أرى ..

أرى الله ..

ولا أرى سواه ..



** من مقال مسرح العرائس .. د.مصطفى محمود .. مجلة الشباب عام 1995







6 . على اسم مصر .. مقدمه


تش .. تش .. تش .. تش .. تش


ـ صباح الخير يا عم " بيبس "


ـ صباح الفل يا محمود باشا .. أؤمر


ـ الأمر لله يا راجل ..
بص .. جهز لي ب 50 فول وبجنيه فلافل فيهم إتنين محشيين ..
حجيب العيش وأرجعلك




من أجمل ما يميز حي محرم بك وهو أحد الأحياء العريقة في مدينة الإسكندرية

هو ذلك المزيج العجيب بين أصالة الماضي وشعبية ساكنيه ..

فهو مكان شعبي بسيط يحمل عبق التاريخ وأصالته ..

إدينى 100 ألف جنيه .. وفيلا في محرم بيه ..

هكذا كان يقول ساكني الإسكندرية في الماضي ..

حيث كان حي محرم بك هو مجموعة من الفيلات المتجاورة يسكنها الباشوات ،

وأصحاب الأعيان، وكانت تمثل لأهل الإسكندرية القديمة في أحياء "بحري"،

و" كوم الدكة" ، و"المنشية"، حلم صعب المنال ..

وتحولت بقدرة قادر كل تلك الفيلات العريقة

إما لمكان تتم فيه تحيه علم مصر مع صباح كل يوم جديد ..

حيث أبله حكمت مديرة المدرسة ..

وتلاميذ بؤساء ..

وحوش في حجم العلبة ..

أو تحولت إلى مكان يتم فيه تعذيب المواطنين الأبرياء

نظراً لأنه أصبح إحدى الهيئات الحكومية ..

ما علينا ...




ـ جهزت الفول والفلافل يا عم " بيبس " ؟؟



ـ كله في التمام يا حودة باشا .. سلملي على جدتك ..





ظل ساكنو حي "محرم بك" بالإسكندرية وهم من أبناء الطبقة المتوسطة

أو فلنقل الكادحة، محافظين على تراث الحي العريق ..

فما إن تطأ قدماك المكان إلا وتشعر وكأنك تعرف هؤلاء الناس ..

"عم بيبس" بائع الفول والفلافل ..

"حمدي" صاحب كشك الصحف والمجلات ..

الفرن البلدي وصاحبه "الحاج سيد"

كلهم أناس بسطاء ..

ولكن يشغل كل شخص منهم مكانةً في قلبك قد تضاهي مكانة أقربائك ...

فقد كانت نشأتي الأولى في بيت جدتي بهذا الحي القديم ..

ورغم إبتعادى عنه نظرا لأننا لسنا من ساكنيه ..

إلا أنه حتى الآن لديّ شعور داخلي بأنني لازلت أعيش هناك

وأنتمي لهذا الحي العريق ..

وما إن يسألني أي إنسان ذلك السؤال التقليدي ..

أنت منين في إسكندرية ؟؟

حتى تخرج الإجابة بعفوية ..

وبدون أدنى تردد ..

أنا من محرم بيه ..

وكنت ولازلت ..

أبحث بكل اجتهاد عن هذا السر الخفيّ

في طبيعة تكوين هذا الشعب الكادح وشخصيته المترابطة

رغم تعدد مصادرها وغرابة ثقافتها ..

والتي هضمت آلاف الثقافات الأخرى ليخرج هذا المزيج العجيب

متمثلا في اللهجة المصرية المميزة ..

كتب جمال حمدان موسوعته الشهيرة .. شخصية مصر

ولم أنل حظا من قراءة سوى تلخيص المختصر منها

والذي نشر مسلسلا في جريدة الأهرام منذ سنوات ..

ولكن بقي السؤال الحائر ..

ما هو السر ؟؟

أين السر الخفي في هذا الحب الجارف من قبل المصريين لوطنهم ؟؟

نعم ..

النفوس والسلوكيات تغيرت كثيرا ..

وها هي المادية قد طغت على كل مفردات الحياة ..

وأصبحت الحياة في زحام القاهرة كصراع أسماك البحر الجائعة ..

ولكن ..

رغم كل شيء وأي شيء ..

نحن عاشقون لمصر ..

ولتراب مصر ..

وسوف نظل ..

نعيش ونلعن في هذا الذل وهذه البلد ..

ولكننا لا نقبل المساس بها أو بكرامتها ..

إذن أين السر ؟؟؟!!!

من هم المصريين في الأساس ؟؟

فراعنة .. رومان .. عرب .. مماليك .. أتراك .. مغاربة ..

من هم المصريون في هذا "الكوكتيل" العجيب ؟؟!!!

والإجابة تجدها بكل بساطه واضحة جليه عبر التاريخ ..

المصريون هم من عاشوا في مصر وارتبطوا بها ..

المصريون شعب بلا أصول ..

ولكنهم شعب يهيم عشقا بوطنه ..

والأسباب ؟؟؟

للأسف الأسباب مجهولة ..

إنه سر مطلسم حتى الآن ..


مكان بتعيش فيه ولو لشهور قليلة ..

فتحبه ..

وماتقدرش تسيبه ..


ومش بتعرف حقيقة مشاعرك تجاهها إلا لما تسافر ..

ويسألك الناس في الغربة ..



ـ أنت منين ؟؟


ـ أنا من مصر ..


ـ طيب ممكن تحكيلنا عن مصر ؟؟؟



فتلاقي لسانك يتعقد ..

ويتوه منك الكلام ..

وعنيك تدمع ..

وجلدك يقشعر ..



ـ يااااااه .. مصر !!!!!!!!

عايزني أحكيلكم عن مصر !!!!!

معرفش ...

معرفش أعبر بالكلام ..

مصر دي حاجة معرفش أحكي عنها ..

مصر عبارة عن إحساس جوايا مقدرش أقوله ولا أكتبه ..

بس ححاول النهارده أكتب حاجة وأحكيها لكم المرة القادمة ..




وهنا تعود إلى بيتك لتأخذ الورقة والقلم ..

وتتذكر حي محرم بك ..

عم "بيبس" بائع الفلافل ..

والحاج "سيد" الراجل الطيب صاحب الفرن ..

وتكتب عنوان مذكراتك ..

على اسم مصر ..



تتذكر كلمات عمنا المبدع "صلاح جاهين" ..

على اسم مصر ..

على اسم مصر التاريخ يقدر يقول ما شاء

أنا مصر عندي أحب وأجمل الأشياء

بحبها وهي مالكه الأرض شرق وغرب

وبحبها وهي مرميه جريحة حرب

بحبها بعنف وبرقة وعلى استحياء

واكرها وألعن أبوها بعشق زي الداء

واسيبها وأطفش في درب وتبقى هي ف درب

وتلتفت تلتقيني جنبها فى الكرب

والنبض ينفض عروقي بآلف نغمة وضرب

على اسم مصر

مصر النسيم في الليالي وبياعين الفل

ومراية بهتانة ع القهوة .. أزورها واطل

مصر السما الفزدقي وعصافير معدية

والقلة مملية ع الشباك مندية

والجد قاعد مربع يقرا في الجرنال

الكاتب المصري ذاته مندمج في مقال

ومصر قدامه اكتر كلمة مقرية

قريتها من قبل ما اكتب اسمي بإيديا

على اسم مصر **












** من قصيدة " على اسم مصر " للشاعر " صلاح جاهين"



..................................................................



وصل قطارى إلى مدينتي الجاثمة في شمال شرق ألمانيا في تمام الثامنة

مساءً ، وهو ما كان يعني أنني بعد اثنتي عشرة ساعة

سوف أجلس داخل قاعة الامتحان ..

ولم يكن أمامي سوى خيارين اثنين ..

فإما أن أكون من بين المقبولين بالجامعة هذا الفصل الدراسي ..

وإما أن أعود لمصر أسفا وبلا عودة ..

دخلت حجرة الاستعلامات في محطة القطار وشرحت لهم موقفي ..

فقام موظف الاستعلامات على الفور بالاتصال بالفندق وحجز لي غرفة

بل وشرح لي تفصيليا كيفية الذهاب من الفندق إلى الجامعة

وأعطاني خريطة دقيقة للمدينة ..

هذا إلى جانب مجموعة من أرقام التليفونات الهامة

والتي ربما أحتاجها في المستقبل عند الضرورة ..

ذهبت إلى الفندق، وكان أهم ما يشغل تفكيري هو الاتصال بأهلي ..

فقد كنت على يقين بأنهم ظلوا مستيقظين منذ لحظة رحيلي ..

شعور غريب بالوحدة الكاملة ..

تشعره فقط في أول لحظات الغربة ..

ووجدت داخل شنطة سفري قراقيش أمي الحبيبة ..

حاولت جاهداً النوم فلم أستطع ..

حتى بدأ شعاع شمس اليوم التالي في البزوغ

حيث امتحان تحديد مصيري ومستقبلي في ألمانيا ..

كل ما أذكره أنني وجدت اسمي في قائمة الممتحنين والمعلقة داخل

مبنى الجامعة حيث ضمت القائمة 450 طالبا من شتى بقاع الأرض

ستقبل الجامعة منهم عشرون طالباً فقط ..

كان الامتحان مكون من خمسة أجزاء ..

مده كل جزء نصف الساعة تقريبا يتخللهم فترة راحة مدتها خمس دقائق ..

كل ما أذكره هو هذا الجزء الأخير من الامتحان ..

كان سؤالا مفتوحا ..

أكتب موضوعاً من صفحتين على الأقل عن بلدك الأم ..

لم أفهم السؤال ..

بلدي الأم !!!!!!

هل سأكتب عن مصر ؟؟؟

طب أكتب إيه عن مصر ؟؟؟؟؟!!!!!!!

وناديت المراقبة

وهي التي أصبحت فيما بعد مدرسة مادة اللغة الألمانية خلال هذا العام الدراسي ..



ـ قصدكم إيه بالسؤال ده ؟؟؟


ـ أكتب عن بلدك الأم .. أنت منين ؟؟؟؟


ـ أنا مصري ..


ـ خلاص .. أكتب عن مصر ..


وابتسمت لي ابتسامة تشجيعية وذهبت ..

جلست أواجه ورقة الإجابة ..

أكتب إيه عن مصر ؟؟؟؟!!

إنها المرة الأولى في حياتي والتي أواجه فيها سؤالا كهذا ..

وقررت أن أكتب من وحي ما أشعر به فى تلك اللحظة ..

وليس كلاما مسرودا من ذاكرة التاريخ ..

قررت أن أكتب عن مشاعري تجاه مصر ...

ولا أذكر تحديدا كم من الصفحات كتبت ..

أعتقد كانت صفحة ونصف الصفحة ..

سلمت بعدها ورقة الإجابة بعد أن أيقنت أنني راسب لا محالة ..

فلم يكن لديّ أدنى اقتناع بما أديته في الامتحان ..

ومكثت داخل غرفتي بالفندق أفكر في مستقبلي والذي أصبح في مهب الريح . .

وجاء يوم الأربعاء 24 من أغسطس وهو يوم النتيجة ..

فقررت عدم الذهاب للجامعة، وأن أتصل بهم تليفونيا منعا للإحراج ..

وكانت معلمة اللغة الألمانية ، والتي راقبت عليّ في لجنة الامتحان، هي

المسؤولة عن إبلاغ الطلبة بالنتائج حين الاتصال بها تليفونيا ..



ـ صباح الخير يا أفندم ..
أنا هير نجم وعارف إني أكيد راسب ..
بس عايز أعرف رسبت بكام درجة ..



ـ هير نجم ممكن تجيلي هنا حالا ..



ـ ليه حضرتك ؟؟


ـ حقولك لما تيجي .. أنا في انتظارك.



وكانت أضخم مفاجأة حدثت لي في حياتي ..

حتى الآن لازلت أذكر أدق التفاصيل ..

ولكن الاهم ..

هو ما تعلمته من تلك التجربة ..

وأكدته لى الشواهد والاحداث فيما بعد ..

ومع كل من رأيتهم فى تلك الغربة ..

فبدون إجابة واضحة لهذا السؤال البديهى ..


من هى مصر ؟؟؟

وماذا تعرف عن مصر ؟؟


سوف يكون الفشل حليفك فى الغربة لا محاله ..

والرسوب فى الامتحان هو النتيجة الطبيعية ..

الغربة لها هدف ما ..

من أجل رساله ما ..

وبدون إجابة هذا السؤال ..

إعلم أنك غير مؤهل بعد لتلك الغربة ..

ولهذا ..

بدآت أولى كلماتى فى مذكراتى

على اسم مصر
..