الأحد، 4 يناير 2009
7. على أسم مصر .. الكنانه
حي المنشية هو أحد أقدم الأحياء في مدينة الإسكندرية ..
ولا تلبث وأنت في طريقك على الكورنيش
إلا أن تلاحظ معالم ذلك الحي الخالدة ..
قبر الجندي المجهول ..
ميدان النصر
والذي ألقى فيه الرئيس جمال عبد الناصر خطاب التأميم المشهور ..
ميدان محمد على ..
غير أنني وأصدقائي
كان لنا بحي المنشية مكان أكثر أهمية من تلك الأماكن التاريخية الشهيرة ..
ذلك لأن مكاننا الحبيب كان هو مصدر التاريخ نفسه ..
ومجمع المستندات والمذكرات الخاصة ..
بل وأحيانا الوثائق السرية جدا ..
ـ شيش جوهار
ـ شيش جوهار تاني ؟!! جرى إيه يا حاج لطفي !!!
ـ يا عم ما أنا برمي الزهر قدامك أهو ..
ـ لا .. أنت بتقرص ع الزهر
في حي المنشية
وتحديدا على الكورنيش تقبع قهوة تاريخية تسمى بالقهوة التجارية ..
وهي في ظاهر أمرها قهوة تقليدية كغيرها ..
إلا أننا اكتشفنا أنا وأصدقائي ونحن في رحلة بحثنا الثقافية ..
أن القهوة التجارية هي المصدر الوحيد للوصول للحقيقة ..
والإجابة الواقعية على تساؤلاتنا الحائرة ..
كنا أربعة أصدقاء ..
ربطتنا الصداقة الحميمة منذ الصغر ..
الهوايات المشتركة ..
تقارب المستوى الاجتماعي لأسرنا والذي شجع على تثبيت أواصر الصداقة بيننا
وجعلها تمتد إلى حيز صداقة الأسر مع بعضها البعض ..
والأهم هو اعتدالنا في التفكير ومنهج الحياة ..
فقد كنا ولازلنا نرفض الانتماء لأي تيار أو جماعة أو حزب سياسي ..
تشكلت أفكارنا من خلاصة كتابات رجال الفكر المعتدل ..
فأنا حتى الأن من المتخصصين في قراءة الأدب الإنسانى متمثلا في عشقي
لأستاذي ومعلمي عبد الوهاب مطاوع رحمه الله ..
وآخر اهتم بالتاريخ على وجه الخصوص ..
والثالث كان يستهويه الأدب الروائي بكافة أنواعه ..
تعلمنا منهم جميعا أن الصواب هو الإستفادة من كل شئ ..
وعدم التشدد لمنهج ما ..
أو لأفكار بعينها ..
وكان هذا أحد الأسباب الرئيسية فى إحترامي الشديد للمجتمع الألماني
وللشخصية الألمانية بوجه عام ..
على الرغم من إختلاف العقيدة والثقافة ..
فوجدنا أنفسنا مثلا نعجب بالأستاذ حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين
ولكننا نختلف مع الجماعة فى الكثير مما يقدموه الأن ..
وقفنا مبهورين أمام صفحات التاريخ المصري منذ قيام الثورة وحتى عام 1958
ودمعت أعيننا على رحيل الرئيس عبد الناصر ..
ولكننا انتقدناه بقدر كبير في تعامله مع الإخوان المسلمين ..
وهو الخطأ الذي أفرز التيارات الإسلامية المتشددة بعد خروجهم من المعتقلات ..
أما أكبر أخطائه فكانت مغامراته العسكرية الغير محسوبة ..
وهي التي أدت لنكسة يونيو عام 1967 وما تلاها من تبعات وشرذمة للعرب حتى الأن ..
أحببنا الرئيس السادات فى كل ما صنعه ..
ورفضنا كامب ديفيد ليس من حيث المبدأ
ولكن من حيث طريقة التطبيق ..
تنفسنا مع الرئيس مبارك بعض نسمات حرية التعبير ..
ولكننا بغضنا الفساد الإداري البشع الذي تعيش فيه مصر ..
بعد أن سيطرت عليها الضمائر الخربة والمعجونة بحب " الشفط " والنهب ..
والتي فقد معها الشباب الانتماء والطموح ..
بل والأهم غياب الهدف القومي الذي يلملم شتات المجتمع
كما كان الحال فى فترة الحكم الأولى للرئيس عبد الناصر ..
وإمتد هذا الأعتدال والتنوع حتى فى تذوقنا للفنون المختلفة ..
فنحن الجيل الذي نشأ على دفء أصوات منير وعلي الحجار وإيمان البحر درويش ..
وجرأة وواقعية سيد حجاب ..
والمصرية الشديدة فى موسيقى عمار الشريعي وياسر عبد الرحمن ..
ورقة وكلاسيكية الموسيقار المبدع عمر خيرت ..
حيث لازالت تشكل وجداننا وذكرياتنا وشخصياتنا أيضا ..
إلا أننا انجذبنا بشدة لفيروز وموسيقى الرحبانية ..
واحتفظنا بذكريات أم كلثوم وعبد الحليم ونجاة ..
حتى الأدب القصصي ..
عشنا كغيرنا من أبناء جيلنا نسهر الليل مع روايات الدكتور نبيل فاروق ..
والتي لازلت أستمتع بها حتى الأن ..
ومع ذلك وقفنا ننظر بإنبهار لروعة أدب نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس ..
وقد ساعدنا هذا الأمر في تواصلنا حتى الأن مع أبناء الجيل الذي تلانا ..
وعدم السخرية من أفكاره
وإحترام ذوقه ومشكلاته ..
المهم ..
والشاهد من الأمر ..
أن معاول تاريخ وثقافة مصر قد نحتت جدران شخصياتنا جميعا ..
جعلتنا نتقبل الأخر ونحترمه ..
ولا نرفضه بل نسعى كي نتعلم منه ..
غير أن هدفنا المشترك ..
كان يتعلق بالبحث عن الحقيقة حول ..
تاريخ مصر الحديث ..
منذ قيام الثورة وحتى ظهور جيلنا نحن ..
هذا الجيل الذي خرج من عباءة كامب ديفيد ..
ليجد التناقض الفظيع ..
بين ما هو مفترض أنه مسلمات راسخة منذ مئات السنين ..
وبين ما يحدث فعليا على أرض الواقع ..
كانت القهوة التجارية هي محطتنا الأخيرة دائما في فسحة الخميس ..
حيث كنا نمضي فيها فترة المساء نشارك المرتادين حواراتهم القيمة ..
وما لم أرصده لكم ..
هو أن القهوة التجارية هي مستقر كبار السن وأصحاب المعاشات ..
بل إنه يوجد ركن في القهوة مخصص للصلاة ..
وتقام فيه صلاة الجماعة على وقتها ..
كان اهتمامنا بتاريخ تلك الفترة الزمنية في مصر لهدف وحيد في نفوسنا
وهو أن نعرف ...
إحنا مين ..؟!!
ويعني إيه أنا مصري ؟؟
البحث عن سر هذا النقد الفظيع الموجه إلينا من العرب ..
وما هو سبب تحميلنا كمصريين مسؤولية كل ما حدث ..
وما يحدث ..
وما سوف يحدث ؟؟!!
فلنبحث إذن عن الحقيقة ..
للأسف ..
الموضوع ليس بتلك السهولة ..
لأنك في حقيقة الأمر تبحث عن أشياء لازالت وثائقها حبيسة الأدراج ..
ومفاتيح تلك الأدراج مع ساسة هذا العصر ..
فهم يخرجون لك ما يريدون فقط ..
بل لقد وصل الأمر إلى تغيير التاريخ ..
فالكل يقول ما يريد ..
وما يريد منك تصديقه فقط ..
والفضائيات تمتلئ بالبرامج والآراء السياسية والتي تظهر التناقض الفظيع
بين ما قاله هذا منذ سنوات وبين ما يقوله هو نفسه الآن ..
المهم ..
وجدنا فى حقيبتنا الدبلوماسية وثيقة وحيدة ..
نستطيع بشيء من التحليل والربط بين الأحداث
أن نبدأ من بعدها في كتابة أول سطور الإجابة عن السؤال ..
الوثيقة هي حديث رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم ..
( إذا منّ الله عليكم من بعدي بفتح مصر فاتخذوا منها جندا كثيفا فأجنادها
هم خير أجناد الأرض وأهلها في رباط إلى يوم القيامة )
فمصر كنانة الله في أرضه ..
والتفسير اللغوي لكلمة الكنانة هي مكان حفظ السهام ..
وهى توضع على الظهر خلف رأس المحارب ..
والسهام هي السلاح الفتاك في استراتيجيات الحروب القديمة
لأنها ببساطة هي بارود حرب ما قبل البارود ..
بمعنى ..
أنك تستطيع إصابة العدو من مسافات بعيده ..
ودون الدخول في أي مواجهة ..
وكان رماه السهام هم أهم عناصر المعركة ..
وهم من أناط إليهم رسولنا الكريم بمهمة حفظ ظهر المسلمين في غزوة أحد ..
وعندما ترك رماه السهام أماكنهم وقام خالد بن الوليد بحركة الالتفاف
الشهيرة وأحتل مكان رماة السهام ..
انقلبت المعركة ..
وأصاب المسلمين ما أصابهم من رماه سهام المشركين ..
إذن ..
فبدون السهام لا حرب ولا نصر ..
وتلك السهام تحتاج لمكان يحفظها ويجمعها ..
ومكان حفظ السهام يسمى الكنانة ..
كان علينا أن نحلل تلك الكلمات ..
ونربطها بالطبيعة الجغرافية للمكان ..
النيل يأتي من الجنوب بامتداد مصر كلها ..
وكأن النيل هو العمود الفقري الذي يربط أبناء ذلك الشعب جنوبا وشمالا ..
يزيل كل حواجز التقاليد والعادات ..
ويجعل من الإنسان المصري أيا كانت نشأته وعاداته وتقاليده ..
إنسانا ذا هدف وحيد ..
يعيش من أجله ..
ويموت من أجله ..
وهو عدم ترك هذا المكان ..
فكأن النيل هو السبب الذي جعل الحياة تقوم في هذا المكان ..
ولكن الأهم ..
هو أنه جعل للمصري شخصية محددة ..
وهدف محدد ..
وهو ..
الارتباط بالأرض والمكان ..
ولهذا ..
تجد المصري عبر التاريخ والعصور لم يترك أبداً مكانه ..
لم يهاجر ..
ولم يسافر إلا لغرض محدد ..
ولفترة محددة ..
نعم أخيراً شاع الترحال ..
ولكننا سنعرف لاحقاً لماذا شاع الترحال والسفر ..
الأهم هو أن الغالبية العظمى من المغتربين تعيش في حنين إلى الكنانة ..
ولكن ..
ما هو الشيء الذي يعيش في الكنانة؟
وما هي وظيفته التي خلقه الله من أجلها ؟!!!
إنه السهم ..
أي أن كل من يعيش في الكنانة هو سهم من سهام الله فى الأرض ..
خلق لهذا الغرض ..
وأنشأه الله في الكنانة كي يعيش من أجل هذا الهدف ..
إن المصريين على امتداد العصور والأحقاب لم تكن لهم أصول ..
فهم الشعب الوحيد الذي يفتقد الأصول ..
إنه يكتسب صفة الأصل من معيشته في الكنانة ..
يكون تركي ..
مغربي ..
يكون زى ما يكون ..
هنا في مصر لا وجود للعنصرية ..
ولا أصول ..
ولا أنساب ..
أنت مش عشت في مصر ولو سنة ..
خلاص ..
لقد أصبحت مصريا ..
وسوف تحب المكان وترتبط بالناس ..
كان ذلك التحليل هو بداية الخيط الذي التقطناه لنبدأ رحلة البحث عن هويتنا ..
وهو ما يعني أنني لمجرد إقامتي في الكنانة ..
فقد أصبحت رسالتي رغما عنى ..
أن أكون سهما من سهام الله في الأرض ..
هذة الطبيعة يكتسبها المصري بالفطرة ..
مجرد معيشته فى مصر تجعله حاملا لهموم أمته كلها ..
وإذا انتفت عنه تلك الصفة ..
أصبح لا يحق له الانتساب للكنانة ..
يفقد قيمته ..
ويحقره الآخرون ..
من هنا نستطيع أن نفهم لماذا يحملنا العرب مسؤولية كل ما يحدث ..
لأنه بدون مصر لا توجد قضية ..
ولذلك ..
استوعبنا معنى الفكرة الشهيرة والتي تقول ..
" لا حرب نظامية شاملة في الشرق الأوسط بدون مصر " ..
جميع ساسة العالم يعرفون تماما أنه لن تحدث حرب نظامية شامله بدون مصر ..
ولهذا كان الهدف الأسمى لهم بعد أكتوبر 73 هو إخراج مصر من حلبة
الصراع؛ ليصبح لهم الأمن والأمان في الانفراد بالفريسة دون الخوف من
حدوث حرب نظامية شاملة ..
من هنا استطعنا تحديد ملامح هويتنا ..
وليس الهوية التي يفرضها علينا مجتمع جديد
نسي قضيته وهدفه الذي خلق من أجله ..
مجتمع كذب على نفسه وصدق كذبته ..
مجتمع تنازل عن أهم معالم شخصيته ووجدانه وهو يوقع أسفل
اتفاقيه كامب ديفيد دون حل للقضية كلها ..
أو بمعنى أدق للقضية الأساسية ..
والتي طمست من بعدها شخصية الإنسان المصري
حيث تم سحب بطاقة هويته والتي يحصل عليها بالوراثة ومكتوب عليها ..
الاسم .. مواطن مصري
محل الميلاد .. تراب مصر
المهنة .. أحمل هموم أمة كاملة
بعض المصريين انتزعت منهم بطاقاتهم بالقوة ..
والبعض الآخر أراد تغيير جلده وبطاقته
وفرح بالبطاقة الجديدة والهوية الجديدة ..
ممنيّاً نفسه بالعيش في سلام واستقرار
ومشاهدة فوازير شيريهان في شهر الصيام،
وإخوانه في فلسطين يذبحون في الانتفاضة الأولى في منتصف الثمانينات ..
انشغل بالسفر كي يعود بالشقة والسيارة وشاليه في الساحل الشمالي ..
وأصبح يحمل بطاقة جديدة بياناتها ..
الاسم .. مواطن من أصل مصري
بس ماعنديش مانع أخد الباسبور الأحمر من بكره
ومش عايز أكون مصري ..
مصري ايه يا عم .. فوكك
مكان الميلاد .. يا أخي .. بلدك اللي فيها مراتك
المهنة .. جامع دولارات وريالات ودينارات وفيديوهات وعربيات ..
وخرج جيلنا المظلوم من عباءة كامب ديفيد ليعطونا تلك الهوية الجديدة ..
بل لقد كنا أكثر حظا من الأجيال التالية ..
حيث ظل آباؤنا محتفظين بصورة من البطاقات القديمة قبل أن تسلب منهم ..
فمكثنا نقلب في الأوراق لنجدها ونسأل ونبحث ..
بينما لا يجد الآن الفتى الصغير في عمر العاشرة أي بقايا في أدراج والده ..
لأن والده مزق الصورة القديمة ولعن أيامها ..
بل أغلبهم لم يكلف نفسه حتى بالاحتفاظ بالصورة
لكي يحكى لأولاده أنه يوما ما ..
بل وفى الخمسينات والسبعينات من هذا القرن ..
قد كنا شيئا آخر ..
وبدأنا نعرف ..
بدأنا نعرف بداية الإجابة ..
هل تذكرون الإجابة عن أي سؤال ؟؟
من نحن.. ؟!!
ويعنى إيه أنا مصري ..؟!!!
وإنه لمجرد كوني مصري ..
فهذا شرف لي و لأولادى من بعدى ..
وعرفنا أن الكنانة فقدت قيمتها وقت أن تركت وظيفتها ..
ولفظت سهامها ..
ووقعت وحدها دون شركائها أسفل كامب ديفيد ..
فهاجرت السهام وسافرت بعد انتفاء صفة الكنانة عن المكان ..
ولم يصبحوا سهاما ..
بل أصبحوا أشياءً أخرى لا أجد صفات تنعتها ..
وهذا هو سبب ظهور الرغبة في السفر والهجرة عند الجيل الجديد ..
لأنه لا يعرف من هو ..
وما هي قيمة وطنه مصر ..
هل أدركتم الآن صعوبة السؤال الذي واجهته في ورقة الامتحان ..
أكتب عن بلدك مصر ..
وعندما يسألني أي إنسان في الغرب
ممكن تحكيلنا عن مصر .. ؟؟!!
لساني ينعقد ...
وعنيا تدمع ..
ويتوه مني الكلام ..
أحكيلهم إيه .. ؟!!
مصر اللي أنا أعرفها .؟!!
طب أشرحلهم ده إزاى ؟!!
إذا كان حتى أبناءها من الجيل الحالي ..
مش عارفين يعني إيه مصر !!!!
ولكني أحاول هنا معكم ..
علنا نتعرف على هويتنا ..
ونعرف سويا
لماذا سافر أبناء الكنانة وهاجروا عنها ؟؟
وما هي أسباب الغربة والسفر ؟؟
ربما نعود في نهاية تلك الوريقات لنأخذ بطاقاتنا القديمة ..
ونعرف جميعاً بحق ..
من هي مصر !!
8. على اسم مصر ... وردة
يالا يا بت أنتِ وهيه .. يالا يا هباب البرك ..
كل واحدة تتملى خط .. ومفيش حد يسيب سجرة ..
عشان ورب الكعبة اللي حلاقي وراه فص قطن واحد على سجرة
حكسر عضمه .. يالا .. جاتكوا الهم ع الصبح ...
مع قدوم شهر سبتمبر من كل عام
يبدأ موسم جمع القطن في الريف والصعيد المصري
ويقف مقاول الأنفار "متولي السرساوي" حاملا خيزرانته
التي لا ترحم قوي أو ضعيف من هؤلاء الأطفال البؤساء
والذي لم تتجاوز أعمارهم جميعا الرابعة عشر ربيعا ..
حرمهم آباؤهم من بداية العام الدراسي كغيرهم من الأطفال
ومن فرحة الاستعداد للمدرسة
بالمريلة الجديدة ..
والشنطة ..
والكراريس والأقلام ..
وفى مصطلحات جمع القطن
لابد لكل طفل أن ( يتملى خط )
حيث يتم زراعة القطن في خطوط
ويناط لكل طفل منهم مهمة جمع القطن على أحد جوانب تلك الخطوط ...
ـ يا "سي متولي" عايزة (طاجية) .. الشمس حامية ..
ـ بقولك إيه يا بت ..
أنا مش عايز دلع ع الصبح .. غوري يا بت أتملى خطك
تمتد جذور عائلتي للريف المصري في محافظة البحيرة
حيث كانت نشأة والدي ..
ورحلة كفاحه في استصلاح أرض جدي ..
واكتملت القصة بتخرجه من كلية الزراعة ..
فأصبحت تمثل الأرض له رمزا في حياته
وليس مجرد مصدراً للرزق ..
فيها ذكرياته وكفاحه ..
ومع حلول شهر سبتمبر من كل عام يبدأ موسم الحصاد ..
والذي ألازم فيه والدي حتى حلول شهر أكتوبر وبداية الدراسة ..
وكانت من الفرص النادرة للتأمل
والحديث معه في كثير من أمور الحياة
والتي دائما ما كانت تمتد للحديث عن التاريخ والسياسة ..
ومعها بعض التحابيش عن ذكريات صباه ..
وقصص الشقاوة في فترة الشباب ..
ومع سطوع الشمس
تأتى عربة متهالكة تحمل أكواما من الأطفال
والمكلفون من قبل "متولي السرساوي" بجمع القطن
بناء على رغبة آبائهم في استغلال هؤلاء البؤساء
كمصدر رزق إضافي للأسرة ..
كان منظر الأطفال يصيبني بحالة من الاكتئاب الحاد ..
فكنت أقرأ كلمة القهر في كل تصرف وسلوك أراه أمامي ..
قهر الآباء لأطفالهم وإجبارهم على العمل
تحت رحمة هذا " المتولي "
الذي لا يعرف لكلمة الرحمة مدلولا في قاموسه السلوكي ..
فقد كان يحمل خيزرانته الطويلة ..
ولا يتردد لحظة واحدة في قهر أي طفل ..
وضربه بأبشع الطرق ..
عندما يشعر أن الطفل قد يتطلع
إلى طلب أي من الطلبات غير المقبولة
في دستور العمل ..
كالرغبة في الاستراحة لخمس دقائق
من أشعة الشمس الحارقة ..
أو الرغبة في تناول لقيمات صغيرة من الطعام
في غير مواعيد الراحة الرسمية
والمحددة من قبل "متولي السرساوي" مسبقا ..
وهى فترة راحة وحيدة وطويييييلة ..
مدتها ساعة واحدة ..
عند حلول الظهر من كل يوم ..
أما معي فقد كان هذا " المتولي " لا يجرؤ على الحديث
أو حتى الاقتراب منى ..
لعلمه التام بأنني ربما أنهال عليه بخيزرانته أمام الأطفال
إذا أقترب مني ..
وكانت أتعس أيام " متولي السرساوي "
هي أيامه التي يقضيها في أرض أبي
لتخوفه من بلوغي لحظة الانفجار
ومع أن عمري في ذلك الوقت لم يتجاوز الرابعة عشر
إلا أنه _ ومع قهره وجبروته وسطوته على هؤلاء البؤساء _ لا يملك
حتى مجرد التذمر إذا قهرته أنا أمام الجميع وبعثرت كرامته ..
إنسان واطي يسيطر ويحكم فى واقع مختل عقليا ..
هكذا كان وصفي البسيط لتلك المسرحية الهزلية
والتي كنت أشاهدها كل عام ..
وذات مرة لمحت فتاة صغيرة كان يناديها أقرانها ( وردة )
فتاة لا تتعدى السادسة من العمر ..
تعمل في صمت ..
و لا تتحدث مع أحد ..
تعلو وجهها ابتسامة خفية ..
إختبأت خلف أسوار القهر ..
والعنف ..
واللا إنسانية ..
ـ تعالي يا وردة .. سيبى خطك وتعالي عايزك
ـ أني خايفة "سي متولي" يضربني
ـ أستغفر الله العظيم !!!!!!!!!!!!!
يعنى أولعلكوا في متولي ده ع الصبح !!!!!!!!!!
أنا بقولك تعالي
وتأتي الفتاة على استحياء وعينيها مثبتتان على هذا "المتولي"
والواقف كخيال المآتة على قمة الأرض ..
ـ أنتِ أبوكِ مين ؟؟
ـ "سعد العكازي"
ـ وبيشتغل أية يا وردة ؟؟
ـ أبويا مسافر بيشتغل فى العراق
ـ طب و مين اللي بيقولك تيجي تشتغلي ؟؟
ـ عمي
ـ وأنتِ ليه مش بتقوليله أنك صغيرة لسه على الشغل ؟؟
ـ يا لهوي يا بيه .. ده كان يقطعني من الضرب هو وأمي
أستغفر الله العظيم ..
ضرب !!!!!!! ضرب !!!!!!!!! ضرب !!!!!
متولي بيضربها ..
وعمها بيضربها ..
وأمها بتضربها ...
كان هذا الواقع المرير
هو ما دفعني للتفكير في رد الفعل السلوكي
عند المصريين والذي يقبل القهر دون أدنى تذمر ..
وكأن القهر قد أصبح أحد مفردات الحياة الطبيعية ..
مثله مثل الماء ..
والهواء ..
والطعام ..
بل وربما قد أكتسب الجهاز الهضمي للمصريين
ومع التطور التاريخي لحياتهم
خلايا جديدة في غشاء الأمعاء
تستطيع إفراز الأنزيمات الهاضمة للقهر ..
فلا يشعر الإنسان إلا بمرارة بسيطة عند تناوله من الفم ..
ولكن لا يلبث بعد ابتلاعه أن يتم هضمه بسرعة البرق ويتم
امتصاصه في الجسم وينقله الدم إلى كل خلايا الجسم ..
ـ والدي الحبيب .. في نقطة مش قادرة تدخل مخي ..
ـ نقطة إيه ؟؟
ـ القهر اللي أنا شايفه ده ..
ـ هو أنت مش قريت تاريخ ..؟؟
ـ أيوة ..
ـ طب إيه الجديد ؟؟ وإيه اللي أنت مش فاهمة ؟؟
ـ لا .. في فرق ...
قهر التاريخ ولغاية سنة 1952 كان قهر مستعمر ..
أو قهر أسر حاكمة ..
لكن القهر اللي بشوفه ده قهر جديد خالص ..
ده قهر لم أقرأ عنه في أيّ تاريخ ..
ده قهر المصريين للمصريين ..
كانت النقاشات الطويلة مع والدي
هي أجمل ما يميز تلك الفترة من كل عام ..
فمصر وتاريخها الحديث ..
وتحديدا بعد قيام الثورة ..
قد تطور تطورا لم يشهده التاريخ منذ بدء التاريخ ..
القهر في التاريخ المصري شيء بديهي
تلاحظه مع أول صفحات تتناولها عيناك في كتاب التاريخ ..
قهر ملوك الفراعنة للشعب منذ فجر التاريخ ..
قهر الرومان للشعب المصري قبل قدوم الإسلام ..
قهر الدويلات المختلفة والتي حلت بعد دخول الإسلام
وصراعاتها المتتالية ..
قهر ملوك الأسرة العثمانية
وخلفاء "محمد علي" على امتداد التاريخ ..
قهر الاستعمار الفرنسي و الانجليزي ..
وكأن المفعول به الوحيد هو الشعب المصري ..
فأنت لن تقرأ في كتب التاريخ سوى القهر ..
ثم تأتي المحنة ..
فيترابط أبناء الشعب لإنقاذ مصر ..
ثم تزول الغمة ..
ثم يعاود القهر سيطرته ..
وهكذا ..
أما القهر الذي كنت أشاهده ولازلنا جميعا نشاهده ..
فهو قهر جديد تماما ..
ـ أنا سؤالي محدد ..
مين القيادات اللي ماسكه البلد دلوقت ؟؟
مثلا .. مدير أمن محافظة الغربنوفية ؟؟
ـ اللواء عبدالرحيم فخري
ـ منين الراجل ده ..؟؟
ـ معرفش .. روح أسأل
وأذهب للبحث في سجلات الأنساب المتراكمة عند الأستاذ "مرسي"
الموظف القديم قدم الأهرامات في السجل المدني ..
ـ ممكن يا أستاذ "مرسي" الله يكرمك تشوف لي
اللواء عبد الرحيم فخري ده مين !!!!!!؟؟
ـ أيوه يا سيدي .. ثانية واحدة ..
عبد الرحيم درويش ..
عبد الرحيم طنطاوى ..
عبد الرحيم فخري ..
أهو .. لقيته ..
بص يا سيد ..
عبد الرحيم فخري ..
أبوه الحاج سيد فخري ..
وده من مواليد محافظة المنوفية ..
مركز تلا ..
ووالده كان فلاح بسيط ..
وأخذ فدانين أرض ملك
من اللي وزعهم عبد الناصر في فترة الإصلاح الزراعي ..
كانت إجابة الأستاذ "مرسي" موظف السجل مذهلة ..
فقد تصورت أن عبد الرحيم فخري
ينحدر من سلالة أحد الإقطاعيين القدماء
والوارثين صفة القهر من جينات آبائهم ..
والتي تمتد للأصل التركي ..
ولكني فوجئت بأن "عبد الرحيم فخري" هو المواطن المصري
الذي كان يروي القطن المصري مع والده ..
بل ويجمع المحصول ..
وربما كان من ضمن مجاميع "متولي السرساوي" المقهورة ..
مفاجأة مروعة ..
إحنا يا مصريين اللي ماسكين بلدنا دلوقت ..
مفيش مستعمر ولا يحزنون ..
إحنا اللي بنقهر نفسنا بنفسنا ..
هل أدركتم قصدي؟
بأن القهر الذي يشهده الشعب المصري في الخمسين عاما
الأخيرة، هو نوع جديد تماما من القهر
لم يشهده منذ فجر التاريخ ..
إنه قهر أبناء الشعب للشعب ..
قهر المصريين للمصريين ..
كان لي أحد الأصدقاء يقول دائما ..
"إن المصريين في الخمسين عاما الأخيرة ..
هم عبيد يعيشون جميعا بأفكار سادة .."
فما إن تشاهد أي مشاحنة في العمل أو في الشارع ..
حتى تسمع تلك المقولة من طرفي النزاع ..
ـ أنت ما تعرفش أنا مين ؟؟
ودفعني الفضول ذات مرة للبحث في شجرة عائلتي الكريمة
علني أجد أحد الرموز ..
و أستطيع أنا الآخر عندما أدخل في نزاع
مع أحد هؤلاء المحسبين المنسبين
والذين زاد عددهم عن السبعين مليون ..
أن أقول أنا الآخر .. (أنت ماتعرفش أنا مين ) ؟؟
وبحثت وبحثت ..
فلم أجد في عائلتي وزيرا أو باشا أو ملكا أو سلطانا ..
يا خسارة ..
جدي لوالدي كان تاجرا للأخشاب ..
وجدي لأمي كان محاسبا ( يعنى موظف )
أمال يا أخويا الناس اللي ليل نهار عمالين يقولوا
(أنت ماتعرفش أنا مين ) ..
هما فعلا مين ؟؟؟
وأتذكر على الفور مقولة صديقي الساخرة ..
عبيد يعيشون بأفكار سادة ..
وتشابكت الخيوط بشده ..
واختلط الحابل بالنابل ..
وتعقدت الصورة ..
وأصبح المجتمع المصري يعيش في حالة
لم يعرفها تاريخه من قبل على الإطلاق ..
نعم ..
إن المصريين تعودوا على القهر عبر التاريخ ..
ولكنه قهر المستعمر ..
القهر الذي دفعهم للترابط والتماسك من أجل تحرير الأرض ..
أو قهر ملوك الأسر الحاكمة ممن عاشوا في أبراجهم العاجية ..
فتعلم المصريون من هذا القهر
كيف يصنعون سويا بيوتهم من الطين والحطب ..
ويقف الأخ إلى جانب أخيه عندما يأتي فيضان النيل ..
ليسند معه جدار بيته ..
ويحميه من الفيضان الذي لا يرحم ..
كان هذا القهر سواءً من الأسر الحاكمة أو من الاستعمار
هو القهر الذي يربط أبناء الشعب مع بعضهم البعض بنسيج واحد ..
كنا جميعا لا نلبس إلا بيجامات "الكستور"
التي كانت تحيكها لنا جدتي ..
فأصبحنا الآن نلبس الترنج الاديداس ..
والبانتاكور ..
والشورت ..
وآخرون عرايا تماما عاى شواطئ مارينا ..
هل أدركتم ما أقصده بالقهر الجديد ..
أصبحت مقاليد حكم مصر بيد المصريين ..
فتطلّع المصريون إلى العيش بأفكار سادتهم
ممّن قرؤوا عنهم في تاريخهم ..
وقهر المصريّون أنفسهم ..
وظلم الشعب المصريّ نفسه بنفسه ..
وتحلل نسيج المجتمع ..
المهم ..
أنني لم أرَ "وردة" ثانية ..
اختفت "وردة" وسط خضم القهر ..
ولا أعرف أين ذهبت بها الحياة ..
فربما الآن عند أول خناقة مع جارتها
بترقع بالصوت الحياني وتقول لها :
ـ أنتِ ما تعرفيش أنا مين ؟؟
وربما تمسك "وردة" الآن الخيزرانة لابنتها
لتجبرها على جمع القطن مع "متولي السرساوي"
والذي لازلت أذكر ابتسامته الصفراء عند رحيله في
المغربية وسؤاله لي ..
ـ تأمر بحاجة يا محمود بيه ؟؟
فلم أكنّ الشر لأحدٍ في حياتي سوى لتلك النوعية من البشر ..
والتي تمنيت لو لم يقم عبد الناصر ببناء السد العالي ..
حيث كان فيضان النيل يأتي كل عام ..
ليزيل هؤلاء البشر من الوجود على أرض الكنانة ..
ويزيل معهم كل وساخات العام ..
ليعود الماء صافيا نقيا ..
يروي المصريين البسطاء ..
وتعود الأرض خصبة مليئة بالخير ..
وتبقى الكنانة شامخة أبية ..
ولكن يبقى الأهم من ذلك ..
وهو أن القهر كان ولازال ..
أحد الأسباب الرئيسية نحو الزحف ..
الزحف نحو الغربة ..
ليس فقط هروبا من القهر الداخلي ..
بل وللحصول على الأسلحة المناسبة لمواجهة هذا القهر ..
فكان المال هو أحد أهم هذة الأسلحة ..
بل ومظاهره المختلفة ..
فكان الاستهلاك ..
ولازال بحثي عن أسباب الغربة مستمرا ..
ولكن يبقى لهذا حديث آخر ..
............................................
ذلك لأن بحثي عن نتيحة الإمتحان
وسبب الإستدعاء السريع من قبل الجامعة
كان هو الأهم بالنسبة لي ..
فالبحث عن أسباب الغربة قد يطول ..
ولكن الرسوب فى الإمتحان
يعني لى الرجوع إلى مصر محملا بالإخفاق المروع ..
لذا ..
فقد دقت نبضات قلبي بشدة،
ولم تدقّ بتلك القوة في حياتي مثلما كان إيقاعها
وأنا في طريقي للجامعة ولا أعرف ما يحمله القدر من مفاجآت ..
دخلت إلى بهو الجامعة
لأجد الطلبة والطالبات مجتمعين أمام نتيجة الامتحان ..
وكانت بالكشوف أسماء الراسبين ..
أو بمعنى أدق ..
غير المقبولين ..
وذهبت لحجرة المدرسين ..
وإذا بي أجد معلمة اللغة الألمانية ..
كانت تدعى (Frau Dr.Gratz ) وإذ بها تبتسم لي ..
وتخبرني بأن ترتيبي هو الثالث على المقبولين بالجامعة
وذلك بعد الصينية والروسي ...
كانت صدمة الفرحة التي لم أعايشها من قبل في حياتي ..
وانهمرت دموعي ..
وتاهت كلماتي ..
وأحتضنتني المعلمة ..
وهدأت من روعي بعد البكاء الشديد واصطحبتني للخارج ..
وأخيرا بعد أن هدأت بعض الشيء ..
كان لابد من السؤال ..
ـ ممكن أعرف أزاي فروا د. جراتز ؟؟
ـ إزاي إيه ؟؟
ـ إزاي أنا الثالث ؟؟
ـ لأنك أنت الثالث ..
ـ نعم ولكني لم أؤدّ على ما يرام في الامتحان !!!
ـ على العكس تماما .. فالموضوع المفتوح كان كفيلا لنجاحك !!
وتذكرت الموضوع المفتوح ..
اكتب عن مصر وما تعرفه عن مصر ..
فبدون الإجابة عزيزي القارئ عن هذا السؤال المفتوح
لن يكون هناك نجاحا في الغربة ..
لأن إجابة هذا السؤال هي مفتاح الهوية ..
وبدون الهوية
لا قيمة للإنسان ..
ولا قيمة لمحتواه أو لمظهره ..
وحتى الآن ..
وحتى كتابتي لهذه الكلمات ..
وأنا لا أعرف كيف حدث ما حدث ..
وكيف اجتزت الامتحان ..
وإن كان التفسير الوحيد
هو أن الله تعالى
قد قال للشيء كن ..
فكان ..
...................................................
يمكنك استكمال قراءة باقي المقالات في الكتاب
ملحوظة :
كتبت هذة المقالات على منتدى موقع الاستاذ عمرو خالد عام 2004
ثم تم نشرها رسميا على الموقع في 2007
قبل أن يتم تجميع بعضها في كتاب
وريقات من مذكرات مصري مغترب
وذلك في 2009 كجزء أول من سلسلة وريقات
